روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص361)مصدر غير محدد١٩/٣٦١ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ}: "يقول الله لنبيه: أم تظن يا محمد أن هؤلاء المشركين يسمعون منك سماع قبول وتفهم، أو يعقلون ما تتلوه عليهم عقل تدبر ورشاد؟! كلا، ما يسمعون ولا يعقلون؛ {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ} أي هم بمنزلة البهائم السائمة التي لا عقل لها يميز بين النافع والضار، تسمع صوت الراعي ولا تفقه ما يقول، {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} قال ابن عباس: لأن البهائم تسبح ربها وتهتدي لمراعيها وتعرف ما ينفعها وما يضرها، وتعرف ربها وتنقاد لسيدها الذي يطعمها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون ربهم ولا يطيعون خالقهم ويسعون إلى ما يهلكهم في نار جهنم".
وقال ابن كثير: "شبههم بالأنعام السائمة في عدم انتفاعهم بالسمع والعقل، ثم بيّن أنهم أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تسير على فطرتها التي خلقت لها، وتعرف من يحسن إليها، وهؤلاء خلقوا ليعبدوا الله وحده فعبدوا غيره وأعرضوا عن نوره وهم يملكون عقولاً وأسماعاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَمْ}: حرف عطف منقطع يفيد الإضراب والانتقال مع الاستفهام التقريعي، بمعنى: بل أتحسب.
{الْأَنْعَامِ}: الإبل والبقر والغنم، وسميت أنعاماً لنعمة الله بها على خلقه ولين ملمسها.
الإعراب:
{أَمْ}: حرف إضراب واستفهام مبني على السكون.
{تَحْسَبُ}: فعل مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
{أَنَّ أَكْثَرَهُمْ}: أن واسمها والميم للجمع.
{يَسْمَعُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة خبر أن، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي تحسب.
{أَوْ يَعْقِلُونَ}: معطوف بمثله.
{إِنْ هُمْ}: إن نافية، هم ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{أَضَلُّ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة غير منون لمنعه من الصرف.
{سَبِيلًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا الهبوط والانتكاس الإنساني الذي تسجله الآية! فبعد أن عبدوا أهواءهم في الآية السابقة، كشف القرآن هنا عن المآل الإدراكي والمعرفي لذلك التأليه: وهو سقوط الإنسان عن رتبة الإنسانية إلى رتبة الحيوانية، ثم النزول بها إلى درك أسفل: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}.
الجمع بين أداتي الإدراك: السمع والعقل؛ فالسمع لتلقي الوحي والخبر الصادق، والعقل للتدبر والتفكر في الحجج والآيات؛ فلما عطلوا هاتين الآلتين صاروا كالبهائم التي لا تفقه.
الإضراب التصاعدي بـ {بَلْ}: من التشبيه بالأنعام إلى الحكم عليهم بأنهم أضل منها؛ لتقرير حقيقة الفارق بين طبيعة الحيوان وطبيعة الإنسان الجاحد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الأنعام تؤدي وظيفتها الكونية التي سخرت لها على أكمل وجه؛ فهي ترعى، وتثمر، وتسبح ربها، وتنقاد لراعيها، وإذا سيقت إلى حفرة أو مهلكة نكصت وتراجعت بفطرتها وغريزتها.
أما الإنسان المعطل لعقله ووحي ربه: فقد رُكبت فيه ملكة التفكير والإدراك والحرية لمعرفة ربه، فاستعمل تلك الملكات في الكفر والإفساد والسعي بقدميه إلى نار جهنم؛ فالبهيمة تهرب من النار، والكافر يسعى إلى ما يوقعه في النار؛ فثبت عقلاً وسلوكياً أنه أضل من الأنعام سبيلاً.