روى الطبري (ج19، ص332)مصدر غير محدد١٩/٣٣٢ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ}: قال: "تذهب كل مَلَكِيَّة وكل دعوى وسلطان كان للملوك والجبابرة في الدنيا، وينادي الملك جل جلاله: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه: لله الواحد القهار! فذلك الملك الحق الذي لا ينازعه فيه منازع ولا يدعيه مفترٍ".
وفي قوله: {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} قال ابن عباس ومجاهد: "عسيراً شديداً لا فرج فيه ولا يسر ولا راحة للكفار، وهو على المؤمنين يسير خفيف بمقدار صلاة مكتوبة كما ورد في الحديث".
وقال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه يوم القيامة لا ملك لأحد سواه، والملك الحق الثابت الدائم هو لله وحده، وكان ذلك اليوم شديداً شاقاً على أهل الكفر؛ لما يعاينونه من العذاب والخزي والنكال".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْحَقُّ}: الثابت الواجب الذي لا زوال له ولا باطل فيه، وقرئ بالرفع نعتاً للملك، وقرئ في الشواذ بالنصب نعتاً للظرف (يوماً حقاً) أو حالاً.
{عَسِيرًا}: الشديد المتعذر الذي لا يسر فيه ولا سهولة، مأخوذ من العُسْر ضد اليُسْر.
الإعراب:
{الْمُلْكُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَوْمَئِذٍ}: ظرف مضاف وإذ تنوين عوض متعلق بحال من الملك أو بالخبر.
{وَكَانَ}: الواو عاطفة، كان ماض ناقص واسمه ضمير مستتر يعود على اليوم.
{يَوْمًا}: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة.
{عَلَى الْكَافِرِينَ}: متعلق بعسيراً.
{عَسِيرًا}: نعت ليوماً منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع إعلان الحقيقة الكبرى بعد تصدع السماء وتنزل الملائكة! تسقط كل التيجان وتتبخر كل الممالك والدعاوى، ويعلن الكون كله خضوعه للملك الأوحد: {لِلرَّحْمَٰنِ}.
اقتران صفة {الرَّحْمَٰنِ} بإعلان الملك في يوم الهول: إشارة لطيفة إلى أن رحمته سبحانه تتجلى في هذا اليوم للمؤمنين فتحفظهم وتيسر حسابهم وتنجيهم من العسر.
تخصيص العسر بالكافرين: {عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا}؛ بمفهوم المخالفة يفيد أنه على المؤمنين يسير لين يمر برداً وسلاماً برحمة الرحمن الرحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
زوال ملكيات الدنيا وظهور الملك الحق:
المحاكمة العقلية: في الدنيا يتوهم الملوك والرؤساء أنهم يملكون؛ لأن الله استخلفهم وأمهلهم وركب فيهم أسباب التملك العارضة؛ أما يوم القيامة فإن تلك الأسباب الصورية تنعدم تماماً ويحشر الناس حفاة عراة غرلاً، فتتجلى الحقيقة العقلية والوجودية الأزلية التي لم تتغير قط: أن الملك كله لله وحده لا شريك له.