أخرج البخاري (رقم 4477)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤٧٧ ومسلم (رقم 86)مصدر غير محددحديث رقم ٨٦ في صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"؛ فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ}.
أخرج مسلم (رقم 122)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٢ عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؛ فنزلت هذه الآية والآية التي بعدها، ونزلت: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}.
معنى {أَثَامًا}: روى الطبري (19/298)مصدر غير محدد١٩/٢٩٨ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أي عقاباً ونكالاً وجزاءً لذنبه، وقيل: الأثام وادٍ في جهنم يعاقب فيه هؤلاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: معطوف على ما قبله في محل رفع.
{لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ}: لا نافية، يدعون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل. مع الله ظرف متعلق بـ "يدعون"، إلهاً مفعول به منصوب، وآخر نعت له؛ والدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.
{وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ}: معطوف عليه، والنفس مفعول به منصوب؛ والمراد كل نفس محرمة القتل من مسلم أو معاهد أو ذمي أو مستأمن.
{الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ}: اسم موصول نعت لـ "النفس"، وحرم الله فعل وفاعل، وجملة الصلة عائدها محذوف تقديره حرم الله قتلها.
{إِلَّا بِالْحَقِّ}: أداة حصر واستثناء مفرغ، والباء للملابسة؛ والحق هو ما أباح الشرع به القتل كالقصاص، وردة المرتد، ورجم الزاني المحصن كما في الحديث الصحيح: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث...".
{وَلَا يَزْنُونَ}: معطوف عليه منفي. والزنا: وطء المرأة في القبل دون عقد شرعي ولا شبهة ملك.
{وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ}: الواو استئنافية، "من" اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ، يفعل فعل الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره هو، وذلك اسم إشارة مفعول به عائد على ارتكاب واحدة من هذه الكبائر أو جميعها.
{يَلْقَ أَثَامًا}: يلق جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة (الألف)، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "من". أثاماً مفعول به منصوب، وهو العقاب الجزائي للآثام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
صيانة الضروريات الخمس الكبرى: بعد بيان الأخلاق التعبدية والاجتماعية والمالية، ارتقت السورة إلى صيانة أركان العمران البشري والضروريات الخمس:
صيانة العرض والنسل: بالعفة وحرمة الزنا {وَلَا يَزْنُونَ}.
الترتيب بحسب البشاعة والأولوية: بدأ بالشرك لأنه ظلم لحق الله وأعظم الذنوب قاطبة، ثم ثنّى بالقتل لأنه أعظم عدوان على حقوق الآدميين في دمائهم، ثم ثلث بالزنا لأنه أفظع جناية على الأنساب والأعراض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحريم الدماء المعصومة في الإسلام:
إبطال شبهات التكفيريين ودعاة العنف الذين يستحلون دماء المسلمين أو المعاهدين وأهل الذمة؛ فالنص القرآني عام حاسم: {النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ}؛ وكل نفس دخلت في أمان أو عهد أو ذمة أو عقد إسلامي فهي معصومة الدم بيقين، ومن قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة.
إقامة الحدود والقصاص منوطة بالسلطان القضائي الشرعي وليس للأفراد وجماعات الفوضى.
بشاعة الزنا وأثره التدميري:
الزنا ليس مجرد حرية فردية جسدية كما تدعي الحضارة الغربية الإباحية، بل هو جريمة كبرى تهدم مؤسسة الأسرة، وتخلط الأنساب، وتنشر الأمراض الفتاكة، وتجر إلى جرائم القتل والانتقام، وتجلب غضب الجبار وعقابه في الدارين.