روى الطبري (ج19، ص349)مصدر غير محدد١٩/٣٤٩ بسنده عن ابن عباس وقتادة في قوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ}: "قالوا: إنما أُرسل إليهم نوح وحده، ولكنه لما كذبوه كان تكذيبهم له تكذيباً لجميع الرسل؛ لأن دعوة الرسل واحدة في أصل التوحيد، فمن كذب برسول واحد فقد كذب بجميع الرسل"، وقيل: "كان الرسل يتتابعون إليهم قبل نوح فكذبوهم فبعث الله نوحاً فكذبوه".
وقوله: {أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} قال ابن عباس: "أغرقهم الله بالطوفان العظيم، وجعل سفينة نوح وقصته وخبر هلاكهم عبرة وعظة باقية للناس يتناقلها الخلف عن السلف".
وبيّن ابن كثير أن الله أعد لهؤلاء الظالمين في الآخرة عذاباً أليماً مع ما عجل لهم من الغرق في الدنيا؛ فالغرق كان عقوبة عاجلة، وعذاب السعير ينتظرهم في الدار الآخرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{آيَةً}: علامة ودلالة وعبرة معتبرة.
الإعراب:
{وَقَوْمَ}: الواو عاطفة، قوم مفعول به منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده تقديره: وأهلكنا أو عذبنا قوم نوح (على الاشتغال)، أو معطوف على مفعول فدمرناهم منصوب بالفتحة وهو مضاف.
{نُوحٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{لَّمَّا}: رابطة شرطية غير جازمة.
{كَذَّبُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل.
{الرُّسُلَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أَغْرَقْنَاهُمْ}: ماض ونا فاعل والهاء مفعول به، والجملة جواب لما لا محل لها.
{وَجَعَلْنَاهُمْ}: معطوف وماض وفاعله ومفعوله الأول.
{لِلنَّاسِ}: متعلق بجعلناهم أو بمحذوف حال.
{آيَةً}: مفعول به ثان لجعلناهم منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَأَعْتَدْنَا}: عاطفة وماض وفاعله.
{لِلظَّالِمِينَ}: متعلق بأعتدنا.
{عَذَابًا}: مفعول به منصوب، {أَلِيمًا}: نعت منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تواصل السلسلة التاريخية بالرجوع إلى أصل البشرية الثاني (قوم نوح)؛ لتذكير قريش بأن الطوفان الذي غمر الكرة الأرضية كلها واستأصل البشرية المكذبة لم يعجز الله؛ فكيف يعجزه نفر من كفار مكة في بطحاء مكة؟!
التعبير بالجمع {كَذَّبُوا الرُّسُلَ} مع أن رسولهم المباشر كان نوحاً عليه السلام؛ لتقرير وحدة الرسالة النبوية وخطورة التكذيب.
الجمع بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة: {أَغْرَقْنَاهُمْ} (في الدنيا)، و{أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} (في الآخرة).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
وحدة النبوة وقاعدة التلازم بين الرسل:
أصل قرآني عقدي عظيم: النبوات كل لا يتجزأ؛ لأن مصدرها واحد (الله)، وغايتها واحدة (التوحيد)، ومنهجها واحد في الدعوة إلى الخير ومكارم الأخلاق؛ فمن كذب بنبي واحد كفر بسائر الأنبياء بالضرورة؛ فالذي يكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم يكذب في الحقيقة بنوح وموسى وعيسى وإبراهيم؛ لأن برهان النبوة واحد، والجاحد له جاحد لأصل الوحي كله.
المجاز المرسل في {كَذَّبُوا الرُّسُلَ}: إطلاق الجمع وإرادة الفرد أو الدلالة على أن تكذيب الواحد تكذيب للمجموع.
تنكير {آيَةً}: للتعظيم والتفخيم؛ أي عبرة هائلة باقية على مر الدهور يتعظ بها العقلاء.
تدبر عاقبة الصبر: نوح عليه السلام صبر ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو قومه، فلما بلغ الباطل غايته جاء نصر الله بالطوفان ونجاة المؤمنين؛ فالعاقبة دائماً لأهل الصبر واليقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإيمان بجميع الرسل وتوقيرهم: وجوب موالاة كل رسل الله وتصديقهم وعدم التفريق بين أحد منهم.
الاعتبار بآثار الأمم الغابرة: التفكر في هلاك قوم نوح وأخذ العظة من مصارع الغابرين.
الثبات في فترات الاستضعاف: الاقتداء بنوح عليه السلام في الاستمرار بالدعوة ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً دون يأس.