روى الطبري (19/280)مصدر غير محدد١٩/٢٨٠ عن ابن عباس: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أرسلهما وخلاهما يلتقيان؛ هذا عذب فرات (أي شديد العذوبة)، وهذا ملح أجاج (أي شديد الملوحة والمرارة يحرق بملوحته)، وجعل بينهما حاجزاً من قدرته لا يطغى أحدهما على الآخر.
ذكر ابن كثير (6/115)مصدر غير محدد٦/١١٥: "أي أرسلهما وخلطهما وخلّى بينهما، وهما العذب الفرات والملح الأجاج، وجعل بينهما برزخاً أي حاجزاً مانعاً من اختلاطهما وإفساد أحدهما للآخر، وحجراً محجوراً أي حائلاً يمنع وصول أحدهما إلى الآخر بما يبطل صفته؛ وهذا من كمال رحمته ولطفه بعباده لتستقيم معايشهم".
فسر السعدي (ص 584)مصدر غير محدد٥٨٤: "يمتن الله على عباده بتهيئة المياه؛ فالأنهار العذبة الفرات يشرب منها الآدميون وتسقى منها زروعهم، والبحار المالحة الأجاج تطهر الهواء وتحفظ الحياة المائية، وقد حفظ الله كلاً منهما بحاجز من سننه الكونية وقدرته الباهرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَهُوَ الَّذِي}: الواو عاطفة أو استئنافية، "هو" مبتدأ، "الذي" اسم موصول خبره.
{مَرَجَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو. ومرج في اللغة: أرسل وخلّى، ومنه مرج الدابة إذا خلاها ترعى، وأصله الخلط والإرسال المتداخل.
{الْبَحْرَيْنِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه مثنى.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، "ذا" اسم إشارة مبتدأ.
{عَذْبٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة. والعذب: الماء الطيب اللذيذ المستساغ.
{فُرَاتٌ}: نعت ثان أو خبر ثان، وهو البالغ النهاية في العذوبة والتبريد وكسر العطش.
{وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ}: عطف على الجملة السابقة. والأجاج: شديد الملوحة والحرارة والمرارة، من أجيج النار لحرقته في الحلق.
{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا}: فعل ماض، وشبه الجملة مفعول ثان مقدم، و"برزخاً" مفعول أول مؤخر، والبرزخ هو الحاجز والفاصل بين الشيئين.
{وَحِجْرًا مَّحْجُورًا}: معطوف على برزخاً، ومحجوراً صفة له؛ وهو تعبير استعاري من كلام العرب عند لقاء المكروه، والمعنى: حاجزاً محكماً ممنوعاً من التلاشي والاختلاط بقوة القضاء الإلهي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتابع أدلة التوحيد والقدرة: بعد الاستدلال بالظل والشمس والليل والنهار والرياح والماء الطهور، انتقل السياق إلى آية مائية عجيبة تجمع بين التضاد والائتلاف، وهي التقاء المياه العذبة بالمالحة دون أن يبغي أحدهما على الآخر.
المناسبة الدقيقة مع السورة: السورة نزلت لبيان "الفرقان" والفصل بين الحق والباطل، فجاء ذكر البرزخ بين البحرين تشبيهاً مادياً محسوساً لكيفية فصل الله بين الحق والضلال، وأن أهل الحق محفوظون ببرزخ من رعاية الله عن التلاشي في محيط الباطل الزاخر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي والفيزيائي في ظاهرة البرزخ المائي:
أثبتت علوم المحيطات الحديثة (الهيدرولوجيا) وجود حاجز مائي غير مرئي (منطقة التمازج السطحي وتدرج الكثافة والملوحة) بين مياه الأنهار العذبة ومصبات البحار المالحة، وكذلك بين البحار المختلفة (كالبحر الأبيض والبحر الأحمر والمحيط الأطلسي).
هذا الحاجز يمنع طغيان الملوحة على العذوبة مباشرة، بل يحافظ على خصائص كل بيئة مائية بما تحتويه من كائنات حية نباتية وحيوانية لا تستطيع العيش في البيئة الأخرى؛ وهذا تفسير دقيق لقوله تعالى: {بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا}، وهو برهان قاطع على وحي الله لنبي أمي في بيئة صحراوية.
المقابلة اللفظية والمعنوية البديعة: بين {عَذْبٌ فُرَاتٌ} و{مِلْحٌ أُجَاجٌ}؛ جمع بين صفتين للطيب وصفتين لشدة التأثير.
التكرار التوكيدي في {حِجْرًا مَّحْجُورًا}: للمبالغة في الإحكام والمنع؛ كأن الحاجز نفسه يستعيذ من الانفراط والتداخل.
الإشارة التدبرية الروحية: كما حفظ الله البحر العذب من أن يفسده ماء البحر المالح الأجاج وهو يخالطه ويجاوره، فكذلك يحفظ الله قلب المؤمن العذب الصافي بنور التوحيد من أن تنجسه أمواج الشبهات والشهوات المحيطة به ما دام متمسكاً ببرزخ التقوى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة المياه العذبة ومصادرها: استشعار لطف الله الخفي في حماية ينابيع الشرب والأنهار من ملوحة البحار التي تغطي معظم كوكب الأرض.
بناء البرزخ القيمي والأخلاقي: على المسلم والداعية أن يصنع بينه وبين الفواحش والشبهات والمنكرات "حجراً محجوراً" وحاجزاً مانعاً من التقوى والمراقبة.
استغلال النعم الإلهية المتباينة: الاستفادة من ثروات البحار المالحة (الصيد، اللؤلؤ، الملاحة) ومن بركات الأنهار العذبة (الزراعة، الشرب، العمران) وفق منهج الاستخلاف الرشيد.