روى الطبري (19/282)مصدر غير محدد١٩/٢٨٢ عن مجاهد وقتادة ومقاتل: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ} إن عبدوه {وَلَا يَضُرُّهُمْ} إن تركوا عبادته؛ وهي الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئاً.
معنى {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا}: قال ابن عباس ومجاهد: أي معيناً ومساعداً للشيطان وحزبه على معصية الله ومخالفة أمره ورسله؛ فالظهير هو المعين والردء والمظاهر لأعداء الله.
ذكر ابن كثير (6/117)مصدر غير محدد٦/١١٧: "يخبر تعالى عن جهل المشركين وسفاهة عقولهم؛ إذ عبدوا مع هذا الخالق العظيم القدير جمادات لا تملك نفعاً ولا ضراً، بل صار الكافر معيناً للشيطان على ربه بالشرك والصد عن سبيله؛ والله الغني القاهر لا يضره أحد، وإنما معنى مظاهرته معاداة أولياء الله ودينه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَيَعْبُدُونَ}: الواو استئنافية دالة على التعجيب من حالهم، يعبدون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
{مِن دُونِ اللَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بحال محذوفة، والله لفظ الجلالة مضاف إليه.
{مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ}: "ما" اسم موصول مفعول به مبني على السكون. "لا ينفعهم" لا نافية، ينفع فعل مضارع وفاعله مستتر والهاء مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها. "ولا يضرهم" معطوف عليها.
{وَكَانَ الْكَافِرُ}: الواو حالية أو استئنافية، كان فعل ماض ناقص، الكافر اسمها مرفوع بالضمة (والمراد به الجنس، أو أبا جهل ونحوه من أئمة الضلال).
{عَلَىٰ رَبِّهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "ظهيراً".
{ظَهِيرًا}: خبر كان منصوب، وهو فعيل بمعنى مظاهر ومعين وناصر، من المظاهرة وهي المعاونة، وأصله من إسناد الظهر إلى الظهر في القتال والمعاضدة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الصارخة بين الخالق العظيم والمعبود العاجز: بعد سرد الدلائل الكونية الكبرى على ربوبية الله وقدرته العظيمة في خلق الليل والنهار، وإنزال الماء، وإرسال الرياح، وخلق الإنسان والأنساب، جاء هذا التنديد العجيب بجهل المشركين الذين تركوا هذا الإله القدير وعبدوا حجارة عمياء لا تنفع ولا تضر.
كشف اصطفاف الكافر المعادي: لم يقتصر الكافر على الضلال الذاتي، بل تحول إلى مظاهر ومعين للشيطان في محاربة رسالة الله ودعوة التوحيد، وهو ما يستوجب مفاصلته ومجاهدته بالقرآن جهاداً كبيراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية لمنطق الشرك:
المعبود الحق عقلاً لا بد أن يكون متصفاً بالقدرة على جلب النفع ودفع الضر؛ فإذا انتفى النفع والضر سقطت ألوهيته بالضرورة، وتبيّن أن عبادته عبث وسفه عقلي مطلق.
والآية تسقط كافة أشكال المعبودات الباطلة في كل عصر، سواء كانت أصناماً حجرية أو طواغيت بشرية أو أهواء مادية؛ فكل ما سوى الله عاجز لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملكه لغيره؟!
دفع إشكال ظاهر قوله: {عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا}:
الله سبحانه غني عن العالمين قاهر فوق عباده، لا يستطيع أحد أن يعينه ولا أن يظاهر عليه حقيقة. وإنما المعنى: مظاهرة الكافر للشيطان وأتباعه في إشاعة الشرك وإيذاء المؤمنين ومعاندة مراد الله الشرعي، فيكون قد وضع نفسه في خندق محاربة ربه الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه، وهو غاية اللؤم والتمرد.
الاستعارة التمثيلية في {ظَهِيرًا}: تشبيه الكافر بمن يشد ظهر عدو الله ويعاضده ضد مولاه وخالقه؛ وتلك صورة منفرة تدل على خسة الكفر وفظاعة الجحود.
تكرار النفي بـ {لَا} في {مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ}: لتأكيد العجز التام وسلب كل مبرر ممكن لاتخاذها آلهة.
تدبر قبح الجحود: كيف يطعم الله الكافر ويسقيه ويحييه، ثم يستعمل الكافر جوارحه وعقله في مظاهرة الشيطان على محاربة دين ربه؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الولاء والبراء الإيماني: أن يكون المؤمن مظاهراً لربه ولدينه وللمؤمنين، لا أن يكون ظهيراً للباطل وأهله؛ فشتان بين من هو ظهير لله ومن هو ظهير للشيطان.
تعرية الأصنام الحديثة: كشف زيف الطواغيت والأنظمة والمبادئ الوضعية التي تفرض على الناس، وبيان عجزها التام عن تحقيق السعادة والنفع الحقيقي للبشرية.
الحذر من الإعانة على الإثم والعدوان: اجتناب مساعدة الظالمين أو تبرير باطلهم؛ لئلا يقع المرء تحت طائلة هذا الوصف المشين: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا}.