روى الطبري في جامع البيان (19/301)مصدر غير محدد١٩/٣٠١ عن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير قولين عظيمين في معنى التبديل:
القول الأول: يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك والجاهلية محاسن الأعمال في الإسلام؛ فيبدلهم بالشرك إيماناً وإخلاصاً، وبالقتل عفة وجهاداً وحفظاً للدماء، وبالزنا إحصاناً وطهارة.
القول الثاني: وهو أبلغ في الفضل والكرم الإلهي؛ أن تلك السيئات والخطايا التي تابوا منها توبة نصوحاً وندموا عليها تنقلب يوم القيامة حسنات في صحائفهم بفضل الله ورحمته.
روى الإمام أحمد (رقم 21499)مصدر غير محددحديث رقم ٢١٤٩٩ ومسلم (رقم 190)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٠ والترمذي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاً منها: رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتُعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تُعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة! فيقول: رب، إني قد عملت أشياء لا أراها ها هنا!"، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، وتلا هذه الآية: {فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}.
قال ابن كثير (6/127)مصدر غير محدد٦/١٢٧: "وهذا من أعظم البشارات للتائبين؛ فالكرم الإلهي لا يقتصر على محو الذنب وإسقاط العقوبة، بل يفيض بالتبديل والإحسان؛ لأن التائب كلما تذكر ذنبه استحيى من الله وأحدث توبة واستغفاراً وإنابة، فصارت تلك السيئة سبباً لتكاثر حسناته".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِلَّا}: أداة استثناء من الضمير في "يلق أثاماً" أو "يخلد فيه مهاناً" (استثناء متصل)، أو بمعنى لكن (استثناء منقطع).
{مَن تَابَ}: "من" اسم موصول في محل نصب على الاستثناء، تاب فعل ماض وفاعله مستتر، والتوبة في اللغة: الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والندم على ما فرط.
{وَآمَنَ}: معطوف على تاب، فعل ماض مبني على الفتح، وهو الإقرار الجازم بالتوحيد والرسالة.
{وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا}: عمل فعل ماض، عملاً مفعول مطلق مؤكد أو مفعول به، وصالحاً نعت له منصوب؛ والصالح هو ما وافق الشرع وأخلص فيه لله.
{فَأُولَٰئِكَ}: الفاء رابطة لجواب الموصول لما تضمنه من معنى الشرط، أولاء اسم إشارة مبتدأ، والكاف للخطاب.
{يُبَدِّلُ اللَّهُ}: فعل مضارع مرفوع، ولفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "أولئك".
{سَيِّئَاتِهِمْ}: مفعول به أول منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{حَسَنَاتٍ}: مفعول به ثان لـ "يبدل" منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة.
{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}: الواو استئنافية، كان واسمها وخبراها المنصوبان؛ صيغتا مبالغة دالتان على كمال المغفرة وسعة الرحمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
انفراج الأمل بعد أشد آيات الوعيد: بعد التهديد المزلزل بالخلود في العذاب مهاناً لمن ارتكب الشرك والقتل والزنا، تداركت رحمة الله عباده بفتح باب التوبة الواسع، لتحويل اليأس والقنوط إلى رجاء وعمل وبناء.
اشتراط التلازم الثلاثي (توبة + إيمان + عمل صالح): لم يقتصر النص على التوبة اللفظية، بل قيدها بالإيمان المصحح للعقيدة، والعمل الصالح المصدق للإنابة؛ لبيان أن التوبة الحقيقية انقلاب جذري في المسار والسلوك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الرد على شبهة عدم قبول توبة القاتل:
استند بعضهم إلى قول ابن عباس في رواية عنه بأن توبة القاتل عمداً لا تقبل مستدلاً بآية النساء: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}.
حقق أئمة السنة (كالطبري وابن تيمية وابن كثير) أن توبة القاتل مقبولة قطعاً بهذه الآية وبآيات الزمر: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة؛ لأن التوبة ترفع حق الله وحق الشريعة، ويبقى حق أولياء الدم في القصاص أو العفو أو الدية، وأما حق المقتول فيوفيه الله يوم القيامة من فضله وكرمه للتائب الصادق.
دفع القنوط واليأس من رحمة الله:
الآية تهدم أعظم حيل الشيطان في إقناط العصاة وتيئيسهم من النجاة؛ فمهما عظمت الذنوب حتى لو كانت شركاً وقتلاً وزناً، فإن التوبة الصادقة تجب ما قبلها، بل وتبدل صحائف الخزي إلى صحائف نور وحسنات.
التعبير باسم الإشارة للبعيد {فَأُولَٰئِكَ}: للدلالة على علو منزلتهم ورفعة شأنهم عند الله بالانتقال من دركات العصيان إلى درجات الإحسان.
التعبير بالمضارع {يُبَدِّلُ}: لإفادة التجدد والاستمرار للتبديل بتجدد أحوال التائب واستمراره على العمل الصالح.
الإشارة التدبرية الروحية: إن التوبة الصادقة تحول مرارة الذنب في قلب العبد إلى انكسار وافتقار، وخوف دائم يقوده إلى التزلف بالقربات، فتكون سيئته السابقة خيراً له من إعجاب الطائع بعبادته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فتح أبواب الأمل للعصاة والمذنبين: دعوة المبتلين بالكبائر إلى عدم اليأس، والبدار بالتوبة النصوح فربهم غفور رحيم يبدل السيئات حسنات.
إتباع السيئة بالحسنة لمحوها: تطبيق التوجيه النبوي: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن"؛ فالعمل الصالح كالصلاة والصدقة وبر الوالدين يغسل آثار الخطايا.
شكر فضل الله وكرمه: استشعار العبد لمدى فضل مولاه؛ إذ لم يكتف بالعفو عن العقوبة حتى جعل مكان كل ذنب حسنة، وهذا يدعو إلى المحبة العميقة لله.