روى الطبري (19/311)مصدر غير محدد١٩/٣١١ عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: {أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} أي الدرجة الرفيعة والمنازل العالية الشريفة في الجنة كالغرف المشرفة على سائر النعيم، {بِمَا صَبَرُوا} أي بصبرهم على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى أذى الجاهلين والمشركين في الدنيا.
ثبت في الصحيحين (البخاري رقم 3256 ومسلم رقم 2831) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم"، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين".
القراءات في {وَيُلَقَّوْنَ}: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: {وَيَلْقَوْنَ} بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص: {وَيُلَقَّوْنَ} بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف؛ والتلقية تدل على أن الملائكة تستقبلهم بالتحية والتكريم والتبجيل بأمر الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبتدأ، والكاف للخطاب، والإشارة لعصابة "عباد الرحمن" الموصوفين بالصفات السابقة برمتها.
{يُجْزَوْنَ}: فعل مضارع مبني لما لم يُسم فاعله مرفوع بثبوت النون، وواو الجماعة نائب فاعل في محل رفع (وهو المفعول الأول). والجملة في محل رفع خبر المبتدأ "أولئك" (وهو خبر المبتدأ {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ} في أول السياق).
{الْغُرْفَةَ}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة؛ والغرفة في الأصل: البناء المرتفع العالي ذو النوافذ المشرفة، وأريد به جنس الغرف والمنازل الرفيعة في الجنة.
{بِمَا صَبَرُوا}: الباء للسببية والبدلية، "ما" مصدرية، وجملة صبروا صلتها، والمصدر المؤول في محل جر بالباء، أي بصبرهم المستمر.
{وَيُلَقَّوْنَ}: الواو عاطفة، يُلقون فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ "يُلقون"، والضمير يعود على الغرفة أو الجنة.
{تَحِيَّةً}: مفعول به ثان لـ "يُلقون" منصوب، وهي الترحيب والإكرام وطيب الدعاء بالبقاء في النعيم.
{وَسَلَامًا}: معطوف على تحية منصوب، وهو السلام من الله تعالى وملائكته بالأمن الدائم من كل آفة وخوف ومكروه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتب الجزاء الخالد على الأوصاف التسعة لـ "عباد الرحمن": هذا المقطع هو تتويج وتكريم لتلك المسيرة الإيمانية الشاقة التي رسمتها السورة؛ فمن سار في الدنيا بالهون والحلم، وبات ساجداً قائماً، وخاف من جهنم، وعدل في الإنفاق، وصان التوحيد والدم والعرض، وترفع عن الزور، ووعى الآيات، ودعا لإمامة المتقين؛ فجزاؤه العادل هو منازل الغرفة والتحية والسلام.
تعليق الجزاء بالصبر وحده: ختم الأوصاف بـ {بِمَا صَبَرُوا}؛ لأن الصبر هو الحبل الجامع والمحرك الخفي لكل تلك الطاعات؛ فلا قيام ليل بلا صبر، ولا عفة عن الزنا والدماء بلا صبر، ولا كظم للغيظ بلا صبر، فكان الصبر هو أم الفضائل وباب الغرفات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير دور العمل والفضل الإلهي في دخول الجنة:
تقرر الآية السببية بـ {بِمَا صَبَرُوا} (باء السببية)، ولا يتعارض هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "لن يدخل أحداً منكم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته".
فالعمل الصالح والصبر سبب جعله الله بفضله ورحمته شرطاً لدخول الجنة، وتوفيق العبد للصبر هو ذاته محض رحمة وفضل من الله؛ فالبداية فضل والنهاية فضل وجزاء بالسبب.
الإفراد في {الْغُرْفَةَ}: للجنس المقتضي للتعظيم والشموخ؛ كأن الجنة كلها غرفة عليا واحدة من الدر والياقوت تليق بمقام عباد الرحمن.
البناء للمجهول في {يُجْزَوْنَ} و{وَيُلَقَّوْنَ}: للدلالة على أن الفاعل هو رب العزة سبحانه وملائكته الكرام، وتوجيه الأنظار إلى عظمة العطاء ذاته.
المقابلة التامة بين الهوان في النار والكرامة في الغرفة: في الآية (69) قال عن الكفار: {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}، وهنا قال عن عباد الرحمن: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا}؛ ليظهر كمال الفرقان بين مصير الإهانة ومصير التكريم والسلام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تجرع مرارة الصبر لحلاوة الغرفات: تذكير النفس في ساعات التعب والمجاهدة بأن مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها غرفاً وقصوراً، وأن لذة المعصية تذهب ويبقى وزرها وعقابها.
استحضار مشهد استقبال الملائكة بالسلام: تثبيت القلب في مواجهة هموم الدنيا بتذكر اللحظة المهيبة التي تستقبل فيها ملائكة الرحمن المؤمنين على أبواب الجنة: {سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}.
الثبات على مرضاة الله: شحذ العزائم للاستمرار في التقوى والمجاهدة حتى بلوغ تلكم الغرفات العالية.