روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص283)مصدر غير محدد١٩/٢٨٣ بسنده عن قتادة والسدي في قوله: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً}: "هم مشركو العرب الذين عبدوا الأصنام والأوثان من دون الله"، {لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}: "أي لا يقدرون على خلق ذرة ولا بعوضة، بل هم أنفسهم مصنوعون منحوتون يخلقهم الصانع ويسويهم الإنسان بيده".
وبيّن ابن عباس في قوله: {وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا}: "لا يدفعون عن أنفسهم ضرراً إن أريد بها كسر أو إتلاف، ولا يجلبون لأنفسهم نفعاً، فكيف بغيرهم؟! {وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} أي لا يقبضون روحاً، ولا يحيون ميتاً، ولا يملكون بعثاً ونشوراً يوم القيامة".
وأوضح ابن كثير أن هذه الآية تمثل المحاكمة العقلية الساحقة لكل عبادة لغير الله؛ بإثبات عجز تلك المعبودات التام في سبعة أوصاف وجودية سالبة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{النُّشُورُ}: الإحياء بعد الموت والبعث من القبور، نشر الله الموتى ينشرهم نشراً ونشوراً.
استخدام ضمير العقلاء {لَّا يَخْلُقُونَ}: لمعاملة الأصنام معاملة العقلاء تنزيلاً لها على زعم عابديها، أو لدخول المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير في سياق الآية.
الإعراب:
{وَاتَّخَذُوا}: الواو استئنافية، اتخذوا ماض مبني على الضم والواو فاعل.
{مِن دُونِهِ}: متعلقان باتخذوا أو بمحذوف حال.
{آلِهَةً}: مفعول به أول لاتخذوا أو مفعول ثان إن كان مجرور من دونه مفعولاً أول.
{لَّا يَخْلُقُونَ}: لا نافية، يخلقون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب نعت لآلهة.
{شَيْئًا}: مفعول به ليخلقون.
{وَهُمْ يُخْلَقُونَ}: الواو حالية، هم مبتدأ ويخلقون مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل الواو، والجملة في محل رفع خبر هم، وجملة المبتدأ وخبره حالية.
{وَلَا يَمْلِكُونَ}: معطوف، {لِأَنفُسِهِمْ}: متعلق بيملكون أو بضراً، {ضَرًّا}: مفعول به، {وَلَا نَفْعًا}: معطوف.
نفي القدرة على التصرف في الحياة والموت والبعث: {وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان العقلي الصارم على بطلان الشرك:
قرر الفخر الرازي والمحققون أن المعبود الحق لا بد أن يكون قادراً على جلب النفع ودفع الضر، ومحيطاً بالحياة والموت والبعث، وما عدا ذلك فعبادته سفاهة عقلية محضة؛ فكيف يعبد الإنسان حجراً ينحته بيده أو مخلوقاً فقيراً عاجزاً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟! فهذا يثبت أن الشرك انتكاسة في الفطرة وسقوط مريع في المحاكمة العقلية.
تقديم الضر على النفع في {ضَرًّا وَلَا نَفْعًا}: لأن دفع الضرر أسبق في طلب النفوس وأظهر في إثبات العجز؛ فمن عجز عن حماية نفسه من الكسر والإهانة فهو عن جلب النفع لغيره أعجز.
تنكير {شَيْئًا}: لإفادة التحقير والعموم؛ أي لا يخلقون أدنى شيء ولو كان هباءة أو ذرة.
تدبر التوحيد الحقيقي: قطع التعلق بجميع المخلوقات؛ فالبشر والأولياء والملوك والأطباء لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة إلا بإذن الله، فليكن التوكل عليه وحده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير العقل البشري من الخرافة: الدعوة إلى نبذ التمائم والأضرحة والوسطاء والخرافات التي يرجى منها نفع أو يدفع بها ضر.
التعلق بالله الحي القيوم: توجيه الدعاء والرجاء والخوف لله وحده؛ فهو الذي بيده الموت والحياة والنشور.
الشجاعة الإيمانية: عدم الخوف من الطواغيت والقوى الأرضية؛ لأنهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم موتاً ولا حياة ولا نشوراً.