روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص319)مصدر غير محدد١٩/٣١٩ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا}: "يعني مشركي قريش الذين لا يخافون بعثاً ولا يرجون ثواباً ولا يوقنون بالمعاد؛ قالوا تعنتاً واستكباراً: {لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ}: عياناً بالرسالة تخبرنا بأن محمداً صادق، {أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا}: جهرة بأعيننا فيكلمنا ويأمرنا باتباعه".
فرد الله عليهم كبرهم وبغيهم بقوله: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا}؛ أي تعظموا وتكبروا في ذواتهم بطلب أمر لا يليق بقدرهم ولا يبلغه شأنهم، وتجاوزوا الحد في الظلم والتمرد عتواً بالغ النهاية في القبح.
وقال ابن كثير: "طلبوا رؤية الله ورؤية الملائكة كبراً وعناداً، كما قال قوم موسى: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً}، فأخبر تعالى أن طلبهم هذا ناشئ عن استكبار عظيم في أنفسهم، وتجاوز مفرط لحدود العبودية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا}: الرجاء هنا بمعنى الخوف والخشية أو الأمل في الثواب، والمعنى: لا يبالون بالمعاد ولا يخافون الحساب.
{عَتَوْا}: العُتُوّ أشد الكبر والتمرد ومجاوزة الحد في الباطل، عتا يعتو عتواً فهو عاتٍ.
{عُتُوًّا}: مفعول مطلق مؤكد منصوب بالفتحة الظاهرة.
{كَبِيرًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تواصل السورة فضح سلسلة المطالب التعنتية للكفار:
طلبوا نزول ملك لمرافقة الرسول وتصديقه (آية 7).
ثم ارتقوا في الوقاحة فطالبوا بنزول الملائكة عليهم هم أنفسهم، أو رؤية رب العزة جهرة بأعينهم!
الربط المحكم بين عدم الإيمان بالآخرة {لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} وبين هذا الطغيان اللفظي؛ فالجرأة على الله وسوء الأدب معه ثمرة مباشرة لغياب الخوف من لقائه.
الرد الصاعق بالتوكيد بالقسم والتحقيق: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا}؛ لبيان أن المشكلة ليست طلب الدليل، بل هي الكبر الباطن والعتو الطاغي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
استحالة رؤية الله في دار التكليف:
برهان عقلي ونقلي قاطع: حكمة الله اقتضت أن تكون الدنيا دار ابتلاء بالغيب، فلو نزل الله جهرة أو نزلت الملائكة عياناً لبطل التكليف وصار الإيمان اضطرارياً كإيمان معاينة الغرق، وحينئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل؛ فضلاً عن أن الأعين البشرية في هذه النشأة الدنيوية الضعيفة لا تطيق رؤية نور جلال الله تعالى، كما صعق موسى وتدكدك الجبل لما تجلى ربه للجبل؛ فالطلب في ذاته جهل مطبق بطبيعة الإنسان وطبيعة دار الابتلاء.
الدقة في قوله {فِي أَنفُسِهِمْ}: إشارة إلى أن كبرهم وهمي داخلي حبيس نفوسهم المريضة؛ فهم في ميزان الواقع والكون أحقر من الذرة، ولكنهم في أوهام أنفسهم يظنون أنهم يستحقون خطاب الملائكة ورؤية رب العالمين.
التوكيد بالمصدر ووصفه: {عُتُوًّا كَبِيرًا}؛ لتصوير فظاعة هذا التمرد وخروجه عن كل مألوف في مجاوزة الحد.
تدبر أدب العبودية: معرفة العبد لقدره ونقص طبيعته، وألا يتطاول بفكره أو أسئلته على مقام الربوبية والجلال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كشف جذور الشبهات الإلحادية: إدراك أن معظم الإشكالات التي يطرحها المعاندون في كل عصر لا تنبع من البحث الصادق عن الحق، بل من الكبر والعتو والتمرد على الانقياد.
التواضع لله ولخلقه: تطهير النفس من داء الكبر والغرور؛ فمن استكبر في نفسه أورثه الله صغاراً ومقتاً.
الرضا بطريقة الوحي الإلهي: التسليم لله في اختياره إرسال الرسل بالبينات والكتب، وعدم اشتراط خوارق حسية تعنتية.