روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص371)مصدر غير محدد١٩/٣٧١ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا}: "البلدة الميت: الأرض المجدبة القاحلة التي لا نبات فيها ولا خضرة، يحييها الله بماء السماء فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج"، {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا}: "أي نسقي من ذلك الماء الحيوانات من الأنعام والدواب، والأناسي الكثيرة من بني آدم الساكنين في البوادي والقرى والمدن الذين يعتمدون على مياه الأمطار والوديان".
وبيّن ابن كثير أن قوله: {أَنَاسِيَّ} جمع إنسيّ كقَمَرِيّ وأَقَامِر، وقيل: أصله أناسين كأناسين جمع إنسان، فأبدلت النون ياء وأدغمت.
وقال القرطبي: "قدم الأنعام على الأناسي في السقيا لحاجتها الشديدة وعجزها عن حفر الآبار والادخار كالإنسان، ولأن حياة الأنعام قوام لحياة الإنسان في طعامه وشرابه وركوبه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَّيْتًا}: قرئ بالتخفيف والتشديد، وجاء مذكراً مع أن البلدة مؤنثة لأنه قصد به الموضع أو المكان والبلد، فذكر على المعنى.
{أَنَاسِيَّ}: جمع إنسي أو إنسان، بتشديد الياء المكسورة.
الاستدلال الحسي على البعث: إحياء البلدة الميتة بالماء هو النموذج المتكرر للبعث؛ فالذي يخرج السنبلة الخضراء من حبة تراب ميتة قادر على إخراج الأجساد من قبورها يوم النشور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة تقديم الأنعام على الأناسي في السقيا:
لفتة عقلية وبيئية بديعة: البهائم والأنعام أشد عجزاً وافتقاراً من الإنسان؛ فالإنسان يحفر الآبار ويخزن المياه ويسوق القنوات، أما الأنعام فترعى في الفلوات وتباد بالجدب سريعاً، فضلاً عن أن حياة الإنسان مرتبطة عضوياً بحياة أنعامه؛ فسقيا الأنعام نفع غير مباشر للإنسان يضمن له اللحم واللبن والركوب؛ فكان تقديمها عين الحكمة والرحمة.