روى الطبري (ج19، ص344)مصدر غير محدد١٩/٣٤٤ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}: "أي لا يأتونك يا محمد بحجة ولا بشبهة ولا بخصومة ولا بسؤال يتعنتون به ويعارضون به دعوتك، إلا أنزلنا عليك من الوحي ما يبطل شبهتهم بالحق الصادق، ويفصل الحجة بأوضح بيان وأحسن كشف وتفسير".
وقال ابن كثير: "هذا من كرم الله وعنايته برسوله صلى الله عليه وسلم وبأمته؛ فإنه لا يورد المشركون شبهة ولا سؤالاً يبتغون به الطعن في نبوته إلا أتاه الله بجواب قاطع يدحض باطلهم، ويكون أصدق وأبين وأوضح من كل ما قالوه؛ فالقرآن هو الحق الذي يزهق كل باطل".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بِمَثَلٍ}: الشبهة والحجة الباطلة والقول الغريب الذي يضربونه للتعنت والتكذيب.
{بِالْحَقِّ}: بالحجة الدامغة والبرهان القاطع الصادق الذي لا لبس فيه.
{أَحْسَنَ تَفْسِيرًا}: التفسير الكشف والإيضاح والبيان لما خفي من المعاني، وأصله من الفَسْر وهو كشف المغطى.
الإعراب:
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا نافية.
{يَأْتُونَكَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به.
{بِمَثَلٍ}: جار ومجرور متعلق بيأتونك.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ.
{جِئْنَاكَ}: ماض ونا فاعل والكاف مفعول به، والجملة في محل نصب حال من فاعل يأتونك أو مفعوله، وقيل: مستأنفة جواباً للنفي.
{بِالْحَقِّ}: متعلق بجئناك.
{وَأَحْسَنَ}: معطوف على الحق مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف، أو معطوف على محل بالحق فيكون منصوباً (جئناك الحق وأحسن).
{تَفْسِيرًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا الوعد الإلهي المطلق بالحراسة الفكرية والبيانية للرسالة! جاءت الآية كبيان لعلة أخرى من علل تنجيم القرآن المذكورة في الآية السابقة؛ فالتنجيم يمكن من مباغتة كل شبهة يطرحها الخصوم بإبطال فوري كاشف.
المقابلة التامة بين {مَثَلٍ} الباطل المتهافت وبين {الْحَقِّ} الثابت الصادق.
الجمع بين صفتي: الصدق الذاتي {بِالْحَقِّ} والوضوح البياني المعجز {وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}؛ فالقرآن يجمع بين كمال المضمون وجمال العرض والبرهان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمولية الردود القرآنية على الشبهات في كل العصور:
قاعدة قرآنية خالدة: كل شبهة يثيرها الملاحدة والمستشرقون وأعداء الدين في القديم والحديث قد أودع الله في كتابه وبصائر وحيه تفكيكها وإبطالها بأحسن بيان وتفسير؛ فالقرآن لا يترك باطلاً إلا ويدمغه بالحق فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكن الشأن في العالم الرباني الذي يستخرج درر القرآن ويحسن تطبيقها على شبهات عصره.