استهل الله جل جلاله هذه السورة العظيمة بتمجيد نفسه وتنزيهها وبيان عظيم بركته؛ روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص279)مصدر غير محدد١٩/٢٧٩ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {تَبَارَكَ}: قال: "تعالى وتعظم، والبركة: الكثرة في كل خير"، وفي قوله: {نَزَّلَ الْفُرْقَانَ}: قال: "القرآن؛ سمي فرقاناً لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، ونزل مفرقا آية بعد آية وسورة بعد سورة".
وروى عن مجاهد وقتادة والضحاك نحو هذا، مؤكدين أن الوصف بـ {الْفُرْقَانَ} يشمل فصله بين الشك واليقين، وهدايته الخلق إلى صراط مستقيم.
وقال ابن كثير (ج6، ص78)مصدر غير محدد٦/٧٨: "يمجد تعالى نفسه الكريمة على ما أنزل على رسوله الكريم من القرآن العظيم... وقوله: {عَلَىٰ عَبْدِهِ} مدحه بالعبودية في هذا المقام الجليل كما مدحه بها في مقام الإسراء {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} وفي مقام الدعوة {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ}، وقوله: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} أي إنما خصه بهذا الكتاب المبين المفصل المحكم ليكون رسولاً مبعوثاً إلى الثقلين الإنس والجن نذيراً لهم من عذاب الله إن خالفوه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَبَارَكَ}: فعل ماض جامد لا يتصرف، مأخوذ من البَرَكَة وهي النماء والزيادة والدوام والثبوت، وزنه تَفَاعَلَ ويفيد المبالغة في ثبوت الكمال وعظمة الخير الإلهي، ولا يطلق إلا على الله تعالى.
{الْفُرْقَانَ}: مصدر في الأصل سمي به القرآن لمبالغته في التفريق بين الحق والباطل.
{لِلْعَالَمِينَ}: جمع عَالَم، وهو كل موجود سوى الله، وغلب فيه جمع المذكر السالم لإرادة المكلفين من الإنس والجن.
الإعراب:
{تَبَارَكَ}: فعل ماض جامد لإنشاء الثناء والتعظيم مبني على الفتح.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل تبارك.
{نَزَّلَ}: فعل ماض مبني على الفتح وفاعله مستتر يعود على الموصول.
{الْفُرْقَانَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة نزل الفرقان صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{عَلَىٰ عَبْدِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بنزل.
{لِيَكُونَ}: اللام لام التعليل، يكون مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: يعود على الفرقان.
{نَذِيرًا}: خبر يكون منصوب بالفتحة الظاهرة، والمصدر المؤول في محل جر متعلق بنزل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة الاستهلال وافتتاح السورة بهذا الثناء الرباني العظيم، يقرر المبدأ الكلي الذي تدور عليه السورة: وهو أن القرآن وحي إلهي نزل من عند البر الكريم، وأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم رسالة عامة للثقلين كافة.
التعبير بـ {نَزَّلَ} بصيغة التفعيل الدالة على التكثير والتنجيم والتدريج: تمهيد بديع للرد على شبهة المشركين القادمة في السورة: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}.
إيثار وصف {عَبْدِهِ}: للدلالة على أن أعلى مراتب القرب والكمال البشري هي العبودية الصرفة لله تعالى، وهي عصمة للنبي صلى الله عليه وسلم من الغلو الذي وقع فيه النصارى في حق عيسى عليه السلام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عموم الرسالة المحمدية وعالميتها:
تفند الآية مزاعم بعض أهل الكتاب والملحدين الذين يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً للعرب خاصة في بيئتهم الصحراوية؛ فجاء النص القرآني المكي الصريح في فجر الدعوة: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}، ولم يقل: لقومه نذيراً، ولا للعرب نذيراً؛ مما يثبت أن عالمية الرسالة أصل عقدي متأصل منذ بواكير الوحي، وموجه لكل إنسان وجني إلى قيام الساعة.