روى الطبري (ج19، ص288)مصدر غير محدد١٩/٢٨٨ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن المشركين (وكان قائدهم في هذا النضر بن الحارث الذي كان يرحل إلى فارس والحيرة فيشتري كتب رستم وإسفنديار ويحدث بها قريشاً ليصرفهم عن القرآن) قالوا: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}: أي أكاذيب القدماء وخرافاتهم وأحاديثهم المكتوبة، {اكْتَتَبَهَا}: استكتبها وطلب كتابتها، {فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}: أي تقرأ عليه وتلقن له أول النهار وآخره في خفية ليحفظها ويزعم أنها وحي من عند الله.
وقال ابن كثير: "هذا من جملة كذبهم وفجورهم، يزعمون أن هذا القرآن إنما هو مأخوذ من كتب الأوائل استنسخها محمد، وهي تقرأ عليه غدواً وعشياً، وهم يعلمون أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يفارقهم في سفر ولا حضر، ولكنهم لجأوا إلى الكبر والعناد".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَسَاطِيرُ}: جمع أُسْطُورَة أو إِسْطَارَة، وهي الأحاديث المسطورة القديمة التي لا أصل لها وتشبه الخرافات.
{اكْتَتَبَهَا}: طلب أن تكتب له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب بيده، فصيغة الافتعال للطلب والحرص.
{تُمْلَىٰ}: الإملاء هو إلقاء الكلام لِيُكتب أو لِيُحفظ، وأملى وأملل لغتان فصيحتان نزل بهما القرآن.
الإعراب:
{وَقَالُوا}: فعل ماض والواو فاعل.
{أَسَاطِيرُ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا أو هي أساطير، مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{الْأَوَّلِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء.
{اكْتَتَبَهَا}: فعل ماض مبني على الفتح والفاعل مستتر والهاء مفعول به، والجملة في محل رفع خبر ثان أو نعت لأساطير أو مستأنفة.
{فَهِيَ}: الفاء عاطفة تفريعية، هي مبتدأ.
{تُمْلَىٰ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف ونائب الفاعل مستتر يعود على أساطير، والجملة خبر المبتدأ هي.
{عَلَيْهِ}: متعلق بتملى.
{بُكْرَةً وَأَصِيلًا}: ظرفا زمان منصوبان بالفتحة متعلقان بتملى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل لشبهة الإفك المذكورة في الآية السابقة؛ فبعد أن أطلقوا القول بأنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، جاءت هذه الآية لتكشف مضمون ذلك الافتراء المزعوم في عقولهم: وهو أنه أساطير استكتبها وتملى عليه سراً بالغداة والعشي.
الجمع بين {بُكْرَةً وَأَصِيلًا}: للإيحاء بالاستمرار والتكثيف؛ ليزعموا كذباً أن محمداً عاكف ليل نهار على تدارس هذه الأساطير لتوليد هذا النظم العظيم.
التمهيد المباشر للرد الرباني الساحق في الآية التالية بكشف الغيب والسر في السماوات والأرض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على شبهة اقتباس القرآن من أساطير الأولين:
المحاكمة العقلية والتاريخية تدحض هذه الدعوى من جذورها:
أساطير الأولين مليئة بالخرافات وتجسيد الآلهة وتصارع الأرباب والقصص الخيالية المتناقضة، بينما القرآن الكريم جاء بعقيدة التوحيد الأصفى، وبالتنزيه المطلق لذات الله تعالى، وبالأخلاق السامية والتشريعات المحكمة المنزهة عن أي خرافة أو أسطورة.
إخبار القرآن عن الأمم السابقة جاء مصححاً لأخطاء الكتب السابقة ومحرفاتها، كاشفاً لأسرار تاريخية لم يكن يعلمها أهل مكة ولا أهل الكتاب أنفسهم؛ كما قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا}.
أمية النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة قطعية التواتر: نشأ بين قومه أربعين عاماً لم يكتب سطراً ولم يقرأ كتاباً، فمن أين له أن يكتتب ويملى عليه بكرة وأصيلاً في مدينة صغيرة كبيت النمل يرى أهلها كل حركة وسكنة؟!
صيغة الافتعال في {اكْتَتَبَهَا}: دلالة على تكلف المشقة والطلب لكتابتها لكونه أمياً لا يستطيع الكتابة بنفسه، وهي كلمة تضمنت في ذاتها برهان بطلان فريتهم؛ فالأمي لا يكتتب!
تدبر محاولات صرف الناس عن القرآن: في كل عصر يتكرر النضر بن الحارث في صور جديدة من الشبهات والروايات المادية لصرف الشباب عن الوحي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كشف زيف المقارنات المغرضة: الحذر من محاولات المستشرقين المعاصرين المقارنة بين قصص القرآن وأساطير الشرق القديم (كجلجامش وحمورابي)؛ فالقرآن وحي معصوم ينقي التاريخ ويهدي للتي هي أقوم.
اليقين بأمية النبي صلى الله عليه وسلم كدليل نبوة: الإيمان بأن أميته كانت وسام شرف ودليل إعجاز قطعي على أن ما جاء به لم يكن ثمرة قراءة بشرية بل وحي السماء.
الانشغال بالقرآن بكرة وأصيلاً: مقابلة كذبهم بالحق؛ فإذا زعموا أن الأساطير تملى عليه، فليكن عكوف المؤمن على تلاوة كتاب ربه وتدبره بالغداة والعشي.