روى الطبري (ج19، ص330)مصدر غير محدد١٩/٣٣٠ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ}: قال: "تنشق سماء الدنيا فينزل أهلها من الملائكة وهم أكثر ممن في الأرض من الإنس والجن، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها، ثم الثالثة والرابعة حتى تنشق السماوات السبع بالغمام الأبيض الرقيق الذي ينزل فيه أمر الله وجلاله وفصله للقضاء".
وقرأ الجمهور: {تَشَقَّقُ} بتشديد الشين والتاء بحذف إحدى التاءين والأصل (تتشقق)، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي بتخفيف الشين مع فتح التاء.
وقوله: {تَنزِيلًا} قال ابن كثير: "مفعول مطلق مؤكد؛ أي ينزلون تنزيلاً عظيماً مهيباً متتابعاً يملأ الآفاق والسهول والجبال، محيطين بالخلائق في صفوف خاشعة لله رب العالمين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَشَقَّقُ}: التصدع والانفطار وتمايز الأجزاء لهول ما يتنزل من أمر الله.
{الْغَمَامِ}: السحاب الأبيض الرقيق البارد، وسمي غماماً لأنه يغم أي يستر.
الباء في {بِالْغَمَامِ}: باء السببية أو الملابسة والمصاحبة؛ أي تتشقق عن الغمام أو يخرج الغمام من شقوقها متصاعداً.
الإعراب:
{وَيَوْمَ}: الواو عاطفة، يوم ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر.
{تَشَقَّقُ}: مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{السَّمَاءُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{بِالْغَمَامِ}: جار ومجرور متعلق بتشقق أو بمحذوف حال منها.
{وَنُزِّلَ}: الواو عاطفة، نُزّل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
{الْمَلَائِكَةُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{تَنزِيلًا}: مفعول مطلق مؤكد منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هول هذا الانقلاب الكوني العظيم! يعود النظم إلى مشهد القيامة ليفصل مشهد تنزل الملائكة الذي طالما تمنى المشركون رؤيته استكباراً (آية 21).
تصوير التصدع الكوني الأكبر: تشقق أعظم جرم مرئي وهو السماء المشيدة المحكمة، مع تنزل الغمام ونزول جحافل الملائكة التي لا يحصي عددها إلا خالقها.
التوكيد بالمصدر {تَنزِيلًا}: لبيان عظمة التنزل، وأنه تنزل هيبة وقضاء وقهر، يخرس الألسنة ويجثو له الأولون والآخرون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
معنى تشقق السماء بالغمام وتنزيه الله تعالى:
رد شبهة المجسمة والمشبهة:
قرر أئمة أهل السنة أن تشقق السماء بالغمام وتنزيل الملائكة من علامات يوم القيامة الكبرى؛ والغمام مخلوق يخلقه الله إظهاراً لجلال أمره وفصله بين عباده، وتنزيل الملائكة نزول حقيقي يليق بذواتهم النورانية لتطويق المحشر وتنفيذ قضاء الملك الجبار؛ فالله سبحانه منزه عن الحركة والانتقال والمكان والحدود، وإنما يظهر آيات ملكه وجلاله بما يشاء وكيف يشاء سبحانه وتعالى.