روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص351)مصدر غير محدد١٩/٣٥١ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة وعكرمة في تفسير هؤلاء الأقوام:
{وَعَادًا}: قوم هود عليه السلام، أهلكهم الله بالريح الصرصر العاتية.
{وَثَمُودَ}: قوم صالح عليه السلام، أهلكهم الله بالصيحة والرجفة لما عقروا الناقة.
{وَأَصْحَابَ الرَّسِّ}: الرَّسُّ في كلام العرب: البئر التي لم تطو بالحجارة أو الحفيرة؛ واختلف فيهم المفسرون على أقوال أصحها عن ابن عباس: "هم قوم من قرى ثمود كذبوا نبيهم ورسوه في بئر (أي ألقوه فيها فدفنوه حياً) ورسوا آبارهم، فأهلكهم الله وخسف بهم ديارهم"، وعن قتادة: "هم أهل فلج باليمامة أهلكهم الله بتكذيب نبيهم حنظلة بن صفوان".
{وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا}: القرون جمع قَرْن وهو الأمة والجيل من الناس؛ أي أهلكنا أمماً وأجيالاً كثيرة لا يحصيها إلا الله بين أزمان عاد وثمود وقوم نوح لكفرهم برسلهم.
وقال ابن كثير: "يذكر تعالى إهلاكه للأمم العاتية تباعاً، وبيّن أن بين تلك الأمم المذكورة أمماً كثيرة أهلكها الله بالاستئصال لكفرهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الرَّسِّ}: البئر المحفورة، ورسست الميت إذا دفنته، ورسست البئر إذا حفرتها وطويتها.
{قُرُونًا}: جمع قَرْن، وهو الجيل من الناس المقدر غالباً بسبعين إلى مائة سنة.
الإعراب:
{وَعَادًا}: الواو عاطفة، عاداً مفعول به لفعل محذوف تقديره وأهلكنا عاداً، أو معطوف على المنصوب السابق.
{وَثَمُودَ}: معطوف منصوب، ونُوِّن على لغة بعض العرب في إجراء الممنوع من الصرف لخفة الفتحة أو لمراعاة الفواصل، وقرئ بغير تنوين.
{وَأَصْحَابَ}: معطوف منصوب وهو مضاف.
{الرَّسِّ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَقُرُونًا}: معطوف منصوب.
{بَيْنَ}: ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف نعت لقروناً وهو مضاف، و{ذَٰلِكَ}: مضاف إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيجاز السرد التاريخي بالحصر السريع: لم يفصل القرآن قصص كل هؤلاء الأقوام هنا؛ لأن المقام مقام تحذير سريع وقرع صاعق لأسماع قريش؛ فعاد وثمود في جزيرة العرب يعرف المشركون ديارهم ويمرون على بقاياهم، وأصحاب الرس وأمم غابرة كثيرة سحقتها سنن الاستئصال.
التعبير بـ {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا}: توسيع لأفق التاريخ البشري؛ ليدرك الإنسان أن الذين طغوا وبغوا وكذبوا الرسل أمم لا حصر لها، لم يغن عنهم عددهم ولا عتادهم حين جاء أمر الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مصارع الأمم شاهد حسي على صدق الرسل:
برهان أثري وتاريخي: كانت قبائل قريش والعرب ترى آثار ثمود في الحجر وآثار عاد في الأحقاف، والآبار الخربة والقرى الدارسة في أسفارهم إلى الشام واليمن؛ فلو كان الشرك حقاً ولآلهتهم نصرة لمنعت عنهم تلك الصواعق والرياح؛ فبقاء الآثار شاهدة على دمار المشركين ونجاة الرسل برهان يقيني على عدالة الجزاء وصدق الوحي.
الإيجاز بالعطف المتتابع: حذف الفعل في كل معطوف (عاداً، وثمود، وأصحاب الرس، وقروناً)؛ يعطي إيقاعاً سريعاً يوحي بتساقط الأمم الظالمة تباعاً كأوراق الخريف العاصف.
تنكير {قُرُونًا} ووصفها بـ {كَثِيرًا}: لإظهار الكثرة الكاثرة من الضحايا الذين ابتلعهم ركام النسيان والدمار بسبب الكبر والعناد.
تدبر هوان الدنيا عند الله: أمم كاملة بأموالها، وحضاراتها، وجيوشها، لم تأخذ في كتاب الله سوى كلمات معدودة؛ لبيان تفاهة المجد الدنيوي حين يخلو من الإيمان والتوحيد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتبار بالآثار التاريخية: زيارة مواقع الأمم السابقة للتفكر والاتعاظ، والتحذير من البطر بالغنى والتطور التقني والمادي.
التواضع أمام سنن الله التاريخية: إدراك أن الأمم الحاضرة ليست بدعاً من التاريخ، وأن ذات السنن التي أهلكت عاداً وثمود ستجري على كل أمة تكذب بأمر الله وتظلم العباد.
الاستعاذة من مآل الهالكين: الحذر من مشابهة أصحاب الرس وثمود في نبذ الحق ومحاربة المصلحين.