روى الطبري في جامع البيان (19/289)مصدر غير محدد١٩/٢٨٩ بإسناده عن عمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: {خِلْفَةً} أي يخلف كل واحد منهما صاحبه ويتعاقبان؛ فإذا ذهب هذا جاء هذا، ومن فاته عمل من الخير في الليل تداركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار قضاه وتداركه في الليل.
ثبت في صحيح مسلم (رقم 746)مصدر غير محددحديث رقم ٧٤٦ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل". وهذا مصداق قوله تعالى: {خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}.
بين ابن كثير (6/121)مصدر غير محدد٦/١٢١: "أي يتعاقبان لا يفتران، هذا يخلف هذا وهذا يعقب هذا، جعلهما مواقيت لعبادة العباد؛ فمن فاته عمل في أحدهما استدركه في الآخر، لمن أراد أن يذكر فيتعظ، أو أراد شكوراً فيشكر نعم ربه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}: الليل مفعول به أول منصوب، والنهار معطوف عليه.
{خِلْفَةً}: مفعول به ثان لـ "جعل" منصوب بالفتحة؛ وخلفة فعلة بكسر الفاء، مصدر أو اسم مصدر بمعنى التخالف والتعاقب، كأن كل واحد منهما يخلف الآخر في سلطانه ووقته.
{لِّمَنْ أَرَادَ}: اللام حرف جر، "من" اسم موصول في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لـ "خلفة" أو بـ "جعل". وجملة "أراد" صلة الموصول.
{أَن يَذَّكَّرَ}: المصدر المؤول من أن والفعل في محل نصب مفعول به لـ "أراد"، وأصله "يتذكر" فأدغمت التاء في الذال للتأكيد والمبالغة في التذكر والاتعاظ.
{أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}: عطف على الجملة السابقة، شكوراً مفعول به منصوب، وهو مصدر شكر يشكر شكراً وشكوراً، دال على كثرة الشكر وعمقه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من ثبات الأفلاك إلى حركة الزمان وتصرمه: بعد أن بين خلق البروج والشمس والقمر، لفت الأبصار إلى ثمرة حركتها الدائبة، وهي تعاقب الليل والنهار، وربط هذا التعاقب الكوني بالهدف الأسمى لوجود الإنسان: التذكر والشكر.
التوطئة البديعة لأوصاف "عباد الرحمن": الليل والنهار هما ميدان عمل العابدين؛ فالليل لمناجاتهم وقيامهم {يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، والنهار لسعيهم وتواضعهم وعفتهم {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}؛ فكانت هذه الآية هي المنصة الزمنية التي تنطلق منها صفات عباد الرحمن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتفاء العبث في تعاقب الزمان:
محاكمة عقلية تفند النظرة المادية العبثية للزمن؛ فالزمن ليس مجرد حركة آلية للأرض حول محورها وأمام الشمس بلا غاية، بل هو نعمة مهيأة ومقدرة تقديراً إلهياً لخدمة الإنسان الروحية والعملية.
تعاقب الليل والنهار يمنح النفس تجدداً مستمراً يكسر الرتابة والملل، ويفتح أبواب التوبة وتدارك ما فات دون يأس أو قنوط.
إثبات الإرادة الإنسانية والمسؤولية:
تقييد الانتفاع بالآيات بـ {لِّمَنْ أَرَادَ}: يبرهن على أن آيات الكون ناطقة بالحق، ولكن الانتفاع بها متوقف على إرادة الإنسان الصادقة وتجرده لطلب الحق والشكر، فمن عطل إرادته وتعامى فلن تنفعه الدلائل.
الإدغام في {يَذَّكَّرَ}: يوحي بالجهد الباطني المبذول في التأمل واستخراج العبر واستحضار الحقائق الإيمانية الغائبة.
المقابلة اللطيفة بين التذكر والشكر: التذكر عمل القلب والعقل بالاعتبار والاستبصار، والشكور عمل الجوارح واللسان بالامتثال والطاعة والثناء؛ فاستوعب التعبير القرآني مقاصد الإيمان الباطنة والظاهرة.
صيغة {شُكُورًا} على وزن فعول: تدل على الامتلاء والفيضان بالشكر؛ لأن نعم الله المتجددة بتجدد الأوقات تستوجب شكراً متواصلاً لا ينقطع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تدارك الأوراد والفرائض الفائتة: قضاء ما فات من أوراد الليل في النهار، وما فات من عمل النهار في الليل، وعدم الاستسلام للفتور أو تضييع الساعات.
إدارة الوقت في ميزان الإسلام: استشعار أن الليل والنهار هما رأس مال العبد في تجارته مع الله؛ فكل يوم ينشق فجره ينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنم مني.
الجمع بين العلم والعمل: أن يكون المسلم متذكراً لعظمة الله في آفاقه، شكوراً لأنعمه في أفعاله وعباداته.