روى الطبري (ج19، ص305)مصدر غير محدد١٩/٣٠٥ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة في قوله تعالى: {لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا}: "يقال لهم تقريعاً وتوبيخاً وتيئيساً من كل رحمة: لا تنادوا اليوم بهلاك واحد، بل نادوا بهلاكات كثيرة؛ فإن عذابكم مترادف متواصل متجدد في كل لحظة، كلما أهلككم العذاب جدد لكم عذاب آخر، فلا ينفعكم دعاء ولا ينجيكم صراخ".
وقال ابن كثير: "هذا خطاب توبيخ وتهكم من الزبانية أو من الله عز وجل للمجرمين؛ أي لا فائدة في دعائكم الهلاك ليريحكم، فإن ما أنتم فيه من العذاب لا ينقطع أبداً، بل هو كثير دائم متوالٍ لا فناء له".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثُبُورًا كَثِيرًا}: هلاكات متتابعة متضاعفة لا نهاية لها لكثرة ألوان العذاب وأنواعه.
الإعراب:
{لَّا}: لا ناهية جازمة.
{تَدْعُوا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
{الْيَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بتدعوا.
{ثُبُورًا}: مفعول به لتَدعوا منصوب بالفتحة.
{وَاحِدًا}: نعت لثبوراً منصوب بالفتحة.
{وَادْعُوا}: الواو عاطفة، ادعوا فعل أمر للتهكم والتعجيز مبني على حذف النون والواو فاعل.
{ثُبُورًا}: مفعول به منصوب.
{كَثِيرًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد وقع هذا الرد التقريعي الصاعق! فبينما هم يصرخون في قعر المكان الضيق: "يا هلاكنا! يا ثبورنا!"، يأتيهم الجواب من خزنة جهنم ليس بالإغاثة، بل بقطع أدنى حبل للرجاء والتهكم بهم.
المقابلة البلاغية بين {ثُبُورًا وَاحِدًا} و{ثُبُورًا كَثِيرًا}؛ لبيان أن آلامهم ليست ضربة واحدة تنتهي بالموت، بل هي سلسلة لا تنتهي من ألوان العذاب التي يوازي كل لون منها هلاكاً مستقلاً.
صياغة الأمر {وَادْعُوا}: أمر تعجيز وإهانة وتهكم؛ يظهر عجزهم التام وأن صراخهم لا يغير من واقع العذاب شيئاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة خلود العذاب وتعدده:
الإشكال: لماذا يعذبون بعذاب لا ينتهي وثبور كثير بينما حياتهم كانت معدودة بسنين قليلة؟
الجواب العقلي والشرعي المحكم:
الجزاء يدور مع النية والعزيمة الراسخة؛ فالكافر قد عقد نيته وقرار قلبه على الكفر لو خُلّد في الدنيا أبد الآبدين، كما قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}، فجازاهم الله على نيتهم المستمرة بعذاب مستمر.
الجناية لا تقاس بزمن ارتكابها بل بعظمة من وقعت في حقه؛ والتمرد على خالق الكون ورفض رسالته إهدار لحكمة الوجود برمتها يستحق النكال الدائم.