روى الطبري (19/306)مصدر غير محدد١٩/٣٠٦ عن ابن عباس ومجاهد والضحاك في قوله: {لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أقوالاً متآزرة جامعة:
لا يشهدون مجالس الشرك وعبادة الأوثان وأعياد المشركين.
لا يؤدون شهادة الزور الباطلة المحرمة في الخصومات والمحاكم.
لا يحضرون مجالس اللهو الباطل، والغناء الفاحش، ومجالس الخنا والمعاصي.
روى ابن جرير عن ابن مسعود ومجاهد: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} أي إذا مروا بمجالس الباطل والخوض في أعراض الناس وفحش القول لم يشاركوا فيه، بل أعرضوا وتجاوزوه مكرمين لأنفسهم عن التدني إليه؛ روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مر بلهو فلم يقف عليه ومضى مسرعاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ابن مسعود أصبح كريماً".
قال ابن كثير (6/129)مصدر غير محدد٦/١٢٩: "أي لا يحضرون الزور، والزور هو كل باطل مُموَّه ومزخرف؛ وأعظمه الشرك والافتراء وأعياد المشركين وأداء شهادة الزور؛ وإذا اتفق مرورهم عرضاً بغير قصد بمجالس اللغو والفحش، مروا كراماً معرضين منزهين أنفسهم عن مخالطة أهله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: معطوف على الموصولات السابقة في صفات عباد الرحمن.
{لَا يَشْهَدُونَ}: لا نافية، يشهدون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل. وشهد يأتي بمعنى حضر (من الشهود وهو الحضور)، ويأتي بمعنى أدى الشهادة وحكم بها (من الشهادة).
{الزُّورَ}: مفعول به منصوب؛ وهو كل باطل مزخرف ومحسن ليظن أنه حق، مأخوذ من الازورار وهو الميل والانحراف عن الصدق.
{وَإِذَا مَرُّوا}: ظرف زمان وجملة الشرط، مروا فعل ماض والواو فاعل.
{بِاللَّغْوِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "مروا"؛ واللغو: الساقط من الكلام والعمل الذي لا فائدة فيه ولا خير يرجى منه من هذر وسفه وفحش.
{مَرُّوا كِرَامًا}: جواب شرط إذا، كراماً حال منصوبة من واو الجماعة، جمع كريم؛ أي منزهين مكرمين لأنفسهم عن الخوض مع الخائضين، من الكرم وهو شرف النفس ونزاهتها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عفة السمع والبصر واللسان: بعد أن بين عفافهم عن الكبائر العملية (الشرك، القتل، الزنا)، ارتقى في وصف كمالهم الأخلاقي إلى صيانة حواسهم وأوقاتهم عن التواجد في بيئات الباطل واللهو؛ حماية للطهارة الروحية والصفاء القلبي.
الدقة في التفريق بين {يَشْهَدُونَ} و{مَرُّوا}: في الزور قال: {لَا يَشْهَدُونَ} فنفى عنهم أصل الحضور والشهود قصداً واختياراً، وفي اللغو قال: {وَإِذَا مَرُّوا} بالتعبير بالمرور العارض الذي يقع اتفاقاً في الطريق، لبيان أنهم لا يقصدون مجالس اللهو أصلاً ولكن إن صادفوها تجاوزوها بكرامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حرمة شهادة الزور وخطورتها المجتمعية:
شهادة الزور القضائية من أكبر الكبائر كما قرنها النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك بالله في الحديث المتفق عليه: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟... ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت".
شهادة الزور تقلب الحق باطلاً، وتسلب الأموال المحرمة، وتظلم الأبرياء، وتهدم الثقة في العدالة المجتمعية.
حكم حضور أعياد ومهرجانات المنكرات:
استدل أئمة السلف كعمر بن الخطاب ومجاهد والضحاك وأحمد بن حنبل بهذه الآية على تحريم حضور أعياد المشركين واحتفالاتهم الدينية الخاصة، وكذلك تحريم حضور الحفلات الماجنة وأماكن المجون والاختلاط؛ لأن حضورها إقرار للباطل ومشاركة في شهود الزور.
الشمول الدلالي في لفظ {الزُّورَ}: الكلمة تعم كل قول وفعل منحرف عن الحق؛ فتشمل الكذب، والغش، وشهادة الباطل، ونفاق السلاطين، ومجالس الفسق.
التعبير بالكرامة في {مَرُّوا كِرَامًا}: تصوير نفسي وأخلاقي رفيع؛ فالكريم النفس يرى في اللهو والسباب واللغو تدنساً لا يليق بشرفه الإنساني وكرامته الإيمانية، فيرفع رأسه ويمضي سريعاً لا يلتفت.
تدبر صيانة الوقت والوعي: عباد الرحمن يعلمون أن أعمارهم أنفس من أن تضيع في مجالس الهذر وتفاهات البرامج ومواقع التسلية المحرمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصدق والأمانة في الشهادة: الحذر الشديد من الإدلاء بأي شهادة كاذبة أو تزييف للحقائق في عمل أو محكمة أو معاملة؛ فإن عاقبتها مقت الله في الدنيا والآخرة.
حفظ شبكات التواصل من اللغو والزور: تجنب الدخول في المهاترات الكلامية، والترفع عن متابعة صناع التفاهة ونشر الإشاعات في المنصات الحديثة.
العفة والوقار في الأماكن العامة: إذا ابتلي المؤمن بمروره في مكان فيه منكر أو صخب، فليمر كريماً صائناً سمعه وبصره، ناهياً عن المنكر بحكمة إن استطاع أو منزعجاً بقلبه ومغادراً.