روى الطبري (ج19، ص353)مصدر غير محدد١٩/٣٥٣ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ}: "أي كل هذه الأمم التي ذكرناها أقمنا عليها الحجج والبراهين، وبيّنا لها الآيات وضربنا لها الأمثال ووعظناها وأنذرناها الرسل، فلم نعذب أمة إلا بعد الإعذار والإنذار التام"، كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}.
وقوله: {وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} قال ابن عباس: "أهلكنا إهلاكاً مستأصلاً، وكسرناهم تكسيراً ودمرناهم تدميراً".
وقال ابن كثير: "أي أوضحنا لهم الحجج وأزحنا العلل بضرب الأمثال، فلما عاندوا وكذبوا تبرناهم؛ أي أهلكناهم بالعذاب دماراً وكسراً لا قيام بعده".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَبَّرْنَا}: التَّبَار هو الهلاك والتدمير والتكسير، تَبَّر الشيء كسره وفتته وأهلكه إهلاكاً لا يرجى معه جبر.
الإعراب:
{وَكُلًّا}: الواو استئنافية، كلاً مفعول به مقدم لضربنا منصوب بالفتحة الظاهرة، والتنوين تنوين عوض عن مضاف إليه (وكل أمة من تلك الأمم).
{ضَرَبْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل.
{لَهُ}: متعلق بضربنا.
{الْأَمْثَالَ}: مفعول به ثان لضربنا أو بدل من كلاً.
{وَكُلًّا}: الواو عاطفة، كلاً مفعول به مقدم لتبرنا منصوب بالفتحة.
{تَبَّرْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل.
{تَتْبِيرًا}: مفعول مطلق مؤكد منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذه القاعدة القرآنية في العدالة الإلهية المطلقة! لئلا يظن ظان أن إهلاك تلك القرون السالفة كان بطشاً عشوائياً، جاءت الآية لتقرر قانونين متلازمين:
قانون الإعذار والإنذار: {وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ}.
قانون الاستئصال عند الإصرار: {وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا}.
تكرار لفظ {وَكُلًّا}: للتأكيد على الشمول والاستغراق؛ فكل أمة أخذت حظها الأوفى من البيان وإقامة الحجة، وكل أمة كذبت لزمتها سنة التتبير دون استثناء.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة الجور في عقوبات الأمم:
العدالة الإلهية في أسمى صورها: الله تعالى لم يهلك أمة بظلم وهي غافلة، بل أرسل الرسل، وضرب الأمثال، وأوضح البراهين العقلية والفطرية؛ فلما استنفدت الأمم فرص التوبة وتواصت بالكفر ومحاربة الرسل، صار إهلاكها ضرورة كونية وأخلاقية لحماية الأرض من الفساد المستطير؛ فالاستئصال جاء بعد تمام الإعذار وكمال الحجة.
تقديم المفعول به في الموضعين {وَكُلًّا}: لإفادة الاهتمام والحصر؛ أي ما غادرنا أحداً من الإنذار، وما أهملنا مكذباً من التتبير.
استخدام مادة (تَبَرَ) ذات الجرس الصوتي الشديد: لإلقاء معنى التحطيم والتفتيت في أذن السامع وقلبه.
تدبر وظيفة الأمثال في القرآن: الأمثال تقرب المعقول إلى المحسوس، وتلزم العقول بالبراهين، فمن لم يتعظ بالمثل هلك بالتتبير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إقامة الحجة قبل المؤاخذة: الاقتداء بالسنة الإلهية في نصح الناس وتوضيح الحق بالبراهين والأمثال قبل إصدار الأحكام.
تعظيم قدر أمثال القرآن: العكوف على تدبر أمثال كتاب الله؛ لأنها مفاتيح الفهم والبصيرة {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}.
الحذر من الإصرار على الباطل: التيقن بأن دوام الإعراض بعد قيام الحجة يقود إلى التتبير والهلاك الحتمي.