روى الطبري في تفسيره (ج19، ص309)مصدر غير محدد١٩/٣٠٩ بسنده عن مجاهد وقتادة والضحاك وابن عباس في قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ}: "المراد بما يعبدون: كل من عُبد من دون الله من العقلاء؛ كالملائكة، والمسيح عيسى بن مريم، وعزير"، وقيل: يشمل الأصنام أيضاً ينطقها الله لتبكت عابديها، ولكن سياق الجواب في الآية التالية يرجح أنهم المعبودون الصالحون المقربون.
وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ... فَيَقُولُ} بالياء فيهما على الغيبة (يحشرهم الله فيقول الله)، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر: {نَحْشُرُهُمْ... فَنَقُولُ} بالنون بنون العظمة.
وقوله: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} قال ابن كثير: "يوقف الله المعبودين أمام العابدين موقف محاكمة ومساءلة علنية، ليس سؤال استعلام؛ فالله يعلم كل شيء، وإنما هو سؤال تبكيت وتقريع للكفار وإظهار لبراءة أولياء الله المقربين من عبادتهم الباطلة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَأَنتُمْ}: همزة استفهام للتقرير والتوبيخ للعبدة لا للمعبودين.
{أَضْلَلْتُمْ}: دعوتموهم إلى الضلال وأمرتموهم بعبادتكم.
{ضَلُّوا السَّبِيلَ}: زاغوا عن طريق الحق بأنفسهم واتبعوا أهواءهم.
الإعراب:
{وَيَوْمَ}: الواو استئنافية، يوم ظرف زمان منصوب متعلق بفعل محذوف تقديره اذكر.
{يَحْشُرُهُمْ}: مضارع مرفوع والفاعل مستتر يعود على الله والهاء مفعول به.
{وَمَا}: الواو عاطفة أو واو المعية، ما اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به معطوف أو مفعول معه.
{مِن دُونِ اللَّهِ}: متعلق بيعبدون أو بحال محذوفة.
{فَيَقُولُ}: الفاء عاطفة، يقول مضارع وفاعله مستتر.
{أَأَنتُمْ}: الهمزة للاستفهام، أنتم ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{أَضْلَلْتُمْ}: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل والميم للجمع، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ أنتم.
{عِبَادِي}: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة والياء مضاف إليه.
{هَٰؤُلَاءِ}: اسم إشارة مبني في محل نصب بدل من عبادي أو نعت.
{أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ}: أم عاطفة معادلة للهمزة، هم مبتدأ وجملة ضلوا خبره والسبيلاً مفعول به أو منصوب على نزع الخافض.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع مشهد هذه المحاكمة الكونية العلنية! بعد أن ذكر مصير الفريقين (الأشقياء والأتقياء)، جمع الله في هذا المشهد عابدي الأوثان والأولياء مع المعبودين في ساحة الحشر الكبرى.
الحكمة البلاغية من توجيه السؤال للمعبودين الصالحين {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي}:
ليس السؤال اتهاماً لهم، بل هو لإشهادهم على بطلان الشرك ولسماع براءتهم وتبرؤهم العلني على رؤوس الأشهاد، مما يسقط في أيدي المشركين ويملأ قلوبهم حسرة وخزياً؛ ونظيره في سورة المائدة سؤال المسيح: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ}.
إضافة العباد إلى نفسه: {عِبَادِي}؛ تشريف للمخلوقين وتذكير بأنهم ملك لله وحده، فكيف يعبدون غيره؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان الشرك القائم على الغلو في الصالحين والملائكة:
تبطل الآية أعظم أبواب الشرك في تاريخ البشرية: وهو اتخاذ الأنبياء والأولياء والملائكة أرباباً ووسطاء؛ وتكشف أن هؤلاء الصالحين بريئون تماماً من تلك العبادات المبتدعة، بل هم أول من يتبرأ من عابديهم يوم القيامة ويسفهون عقولهم؛ فالشرك لا حجة له ولا ناصر، والوساطة المزعومة تنقلب إلى عداوة وبراءة معلنة في ساحة الحساب.
استخدام ما لغير العاقل في {وَمَا يَعْبُدُونَ}: للجمع بين الأصنام الحجرية وسائر المعبودات، أو لتغليب صفة النقص التي لحقت بتلك المعبودات عند اتخاذها آلهة باطلة.
التقسيم الحاصر في الترديد بين أمرين: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ... أَمْ هُمْ ضَلُّوا}؛ لإلجائهم إلى الإقرار بالحق، وهو أن الضلال كان باختيار المشركين وكسبهم.
تدبر رهبة الاستنطاق: موقف يرتجف له الوجدان حين يقف المتبوعون والصالحون ليعلنوا براءتهم التامة من كل من غلا فيهم وصرف لهم حق الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه العبادة والدعاء لله وحده: قطع كل تعلق بملك مقرب أو نبي مرسل أو ولي صالح في قضاء الحاجات ودفع الكربات.
التحذير من الغلو في الأشخاص: تربية الأمة على لزوم السنة وتنزيه مقامات الصالحين عن الشرك والغلو.
الاستعداد للشهادة الأخروية: استشعار العبد أنه مسؤول عن مسلكه ومعتقده بذاته، ولن ينفعه يوم القيامة من قلد في الباطل.