بيّن الطبري (ج19، ص346)مصدر غير محدد١٩/٣٤٦ أن الله سبحانه يضرب لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته الأمثال من أخبار الرسل السالفين؛ تسلية له وتحذيراً لقومه من عاقبة التكذيب؛ فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} وهو التوراة، {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا} أي عوناً ومؤازراً يعينه على أداء الرسالة ويشد أزره؛ استجابة لدعاء موسى عليه السلام حين قال: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ۖ هَارُونَ أَخِي ۖ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي}.
وقال ابن كثير: "يذكر تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بما لاقى موسى وهارون من فرعون وقومه وكيف نصرهم الله وأهلك المكذبين؛ ليعلم أن العاقبة للمتقين وأن سنة التكذيب قديمة ولها مآل واحد وهو الدمار".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَزِيرًا}: الوزير هو المعين والمؤازر الذي يحمل الثقل والعبء مع صاحبه، مأخوذ من الوِزْر وهو الثقل أو من الوَزَر وهو الملجأ والجبل المعتصم به.
الإعراب:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
{آتَيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون ونا فاعل.
{مُوسَى}: مفعول به أول مبني على فتح مقدر للتعذر.
{الْكِتَابَ}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَجَعَلْنَا}: معطوف وماض وفاعله.
{مَعَهُ}: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال.
{أَخَاهُ}: مفعول به أول لجعلنا منصوب بالألف لأنه من الأسماء الخمسة والهاء مضاف إليه.
{هَارُونَ}: بدل من أخاه أو عطف بيان منصوب بالفتحة غير منون لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
{وَزِيرًا}: مفعول به ثان لجعلنا منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال التاريخي السريع للاستشهاد بالسنن السالفة! فبعد أن فصل شبهات قريش وهددهم بالحشر على وجوههم، سيّر النظم في جولة سريعة حاسمة عبر مصارع الأمم المكذبة؛ ليروا بأعينهم مصائر من قالوا مثل مقالتهم.
استهلال السرد بموسى وهارون: لأنهما أصحاب كتاب ورسالة كبرى عرفها أهل مكة عن طريق اليهود، وكانت التوراة المقياس الذي قارن به المشركون نزول القرآن.
الجمع بين إيتاء الكتاب ومؤازرة الوزير: لبيان أن موسى مع ما أوتيه من كتاب ومعونة أخيه هارون كُذب وأوذي، فليصبر محمد صلى الله عليه وسلم على قومه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
أهمية التعاون في حمل أمانة الدعوة:
تستنبط الآية درساً قيادياً وعقلياً عظيماً: الرسالات والدعوات الكبرى تتطلب المؤازرة وتوزيع الأعباء والعمل المؤسسي المشترك؛ فموسى عليه السلام - وهو كليم الله ومن أولي العزم - طلب وزيراً يعينه على البلاغ لمواجهة طاغوت مصر، فامتن الله عليه بإجابة سؤاله وجعل هارون وزيراً ونبياً معه؛ فكل مصلح وداع بحاجة إلى إخوان صدق يشدون أزره ويشاركونه حمل الأمانة.