روى الطبري (19/294)مصدر غير محدد١٩/٢٩٤ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} يقول: بئست جهنم مستقراً لأهلها الذين يستقرون فيها، ومقاماً يثوون فيه ويقيمون به أبداً لا يتحولون عنه ولا يزولون.
قال ابن كثير (6/124)مصدر غير محدد٦/١٢٤: "أي بئس المنزل منظراً، وبئس المقيل مقاماً؛ فالمستقر موضع القرار والاستراحة، والمقام موضع الإقامة؛ فبين تعالى أنها أسوأ مكان يمكن أن يقصده قاصد أو يحل به نازل؛ فلا راحة فيها ولا سلام، بل عذاب دائم ونكال مقيم".
فسر السعدي (ص 586)مصدر غير محدد٥٨٦: "هذا من تمام دعائهم وتضرعهم بذكر حال جهنم الفظيعة؛ ليكون أبلغ في التذلل والالتجاء إلى من بيده النجاة سبحانه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّهَا}: "إن" حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها، ويعود على جهنم.
{سَاءَتْ}: فعل ماض جامد لإنشاء الذم مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره هي، والجملة الفعلية في محل رفع خبر "إن". والمخصوص بالذم محذوف تقديره: ساءت جهنم.
{مُسْتَقَرًّا}: تمييز منصوب بالفتحة يفسر الضمير المستتر في "ساءت"، وهو اسم مكان من استقر يستقر، أي موضع القرار والنزول المؤقت أو الدائم.
{وَمُقَامًا}: معطوف على مستقراً منصوب، اسم مكان من أقام يقيم مقاماً (بضم الميم)، أو من قام يقوم مقاماً (بفتح الميم)؛ وهو موضع الإقامة والخلود الدائم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل التعليل مع الآية السابقة: في الآية السابقة عللوا طلب الصرف بصفة العذاب ذاته: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} (شدة الألم ولزومه)، وهنا عللوا بصفة المكان والمثوى: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} (شناعة الموضع وسوء جواره)، فاستوعب التضرع الهروب من فظاعة العذاب ومن خسة المكان.
التمهيد للمقابلة البديعة في ختام السورة: هذا الوصف لجهنم يقابله في الآية (76) وصف الجنة ونعيمها لعباد الرحمن بلفظ مطابق للمقابلة التامة: {حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}؛ ليتجلى الفرقان الهائل بين المصيرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كمال قبح النار ومنافاة الاستقرار فيها:
المستقر في لغة البشر هو المكان الذي يجد فيه الإنسان راحة وسكينة واستقراراً بعد التعب، والمقام هو موضع الأمن بين الأهل والعشيرة؛ فجاء التعبير القرآني ليسلب النار أدنى معنى للراحة والأمن والاستقرار، بل هي اضطراب مستمر، وسعير متأجج، وزقوم، وغسلين، وقيود، وأغلال.
المحاكمة العقلية تقتضي من اللبيب أن يفر بكل ما أوتي من قوة من موضع يجتمع فيه أقصى العذاب الجسدي وأبشع القبح المكاني والنفسي.