روى الطبري (19/284)مصدر غير محدد١٩/٢٨٤ عن مجاهد وقتادة والحسن: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لا أطلب منكم على إبلاغ هذا القرآن والرسالة مالاً ولا جعلاً ولا سلطاناً، وإنما أطلب أن تؤمنوا بربكم؛ فمن شاء منكم أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بالإيمان والعمل الصالح فذلك غاية أربى ورجائي.
بين ابن كثير (6/118)مصدر غير محدد٦/١١٨: "أي ما أريد منكم جزاء ولا مالاً تعطونيه، {إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا} استثناء منقطع؛ أي لكن من أراد أن ينفق في مرضاة الله ويسلك طريق الحق فليفعل، أو استثناء متصل؛ أي لا أسألكم أجراً إلا هذا، وهو أن تهتدوا وتتخذوا إلى الله طريقاً، فكان ذلك أجري وسروري، كما يقال: ما سألتك شيئاً إلا استقامتك".
قال السعدي (ص 585)مصدر غير محدد٥٨٥: "وهذا من أعظم دلائل صدق الرسل وكمال إخلاصهم؛ إذ يدعون الخلق إلى أشرف المقاصد وأعلاها من غير طمع في دنياهم، بل ناصحين لهم باذلين أنفسهم لنجاتهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
{مَا أَسْأَلُكُمْ}: "ما" نافية، أسأل فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره أنا، والكاف مفعول به أول، والميم للجمع.
{عَلَيْهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "أسأل"، والضمير يعود على القرآن أو التبليغ المفهوم من السياق.
{مِنْ أَجْرٍ}: "من" حرف جر زائد لتأكيد استغراق النفي، "أجر" مفعول به ثان مجرور لفظاً منصوب محلاً. والأجر: الجزاء والعوض المالي أو الدنيوي.
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{مَن شَاءَ}: "من" اسم موصول؛ إما في محل نصب على الاستثناء المنقطع (بمعنى لكن)، أو في محل نصب بدل من أجر على تأويل: إلا فعل من شاء، أو استثناء متصل على سبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم. وجملة "شاء" صلة الموصول.
{أَن يَتَّخِذَ}: المصدر المؤول من "أن" والفعل في محل نصب مفعول به لـ "شاء".
{إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا}: إلى ربه جار ومجرور متعلقان بـ "يتيخذ" أو بمحذوف حال، و"سبيلاً" مفعول به لـ "يتخذ"، والسبيل هو الطريق الموصل إلى رضوان الله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براءة الرسول من المطامع الدنيوية: بعد تأكيد وظيفته النذيرية التبشيرية، أمره الله بأن يعلن على الملأ براءته التامة من أي غرض مادي أو نفع دنيوي؛ ليقطع دابر الاتهامات الباطلة التي يرمي بها المشركون دعاة الحق بأنهم يطلبون الشرف والرياسة والمال.
إبراز قمة التجريد والإخلاص: الربط بين نفي الأجر وبين رغبة المهتدي؛ فغاية الداعية الحقيقي أن يرى الناس يسلكون سبيل النجاة، ونفعه الحقيقي عائد عليهم هم لا عليه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تجريد النبوة من دعاوي التكسب والكهانة:
دأب الكهان ورجال الدين المحرف وأصحاب الدعوات الأرضية على ابتزاز الناس وأخذ أموالهم بغير حق؛ فجاء القرآن ليرسي معيار النبوة الصادقة: التجرد الكامل من طلب الأجر المادي.
وهذا البرهان العقلي يقطع الطريق على أي تهمة بالنفاق أو استغلال الدين لتحقيق مكاسب سلطوية أو شخصية.
إثبات المشيئة والاختيار للإنسان:
قوله تعالى: {إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا} صريح في إثبات المشيئة للعبد وقدرته على اختيار طريق الهداية أو الضلال؛ مما يدحض عقيدة الجبرية الضالة، ويثبت مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات مشيئة حقيقية للعبد تابعة لمشيئة الله تعالى.
الاستغراق التام بدخول "مِنْ" الزائدة {مِنْ أَجْرٍ}: لنفي أدنى أنواع الأجر قليلاً كان أو كثيراً، حقيراً أو جليلاً.
الاستثناء اللطيف {إِلَّا مَن شَاءَ}: فيه من حسن التلطف بالمدعوين وإشعارهم بأن إيمانهم ليس خدمة يقدمونها للرسول، بل هو إنقاذ لأنفسهم وسلوك لسبيل نجاتهم، وأن ربح الطاعة عائد إليهم وحدهم.
التنكير في {سَبِيلًا}: للتعظيم وبيان سعة مسالك الخير الموصلة إلى الله وتنوعها من صلاة، وصدقة، وجهاد، وخلق حسن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
نقاء الدعوة من شوائب النفعية: على العلماء والدعاة ألا يجعلوا دين الله مطية لجمع الحطام الفاني أو نيل المناصب الدنيوية، وأن يكون همهم الأكبر نجاة الناس وهدايتهم.
البذل لوجه الله تعالى: الإنفاق والتضحية في سبيل الله وسيلة لاتخاذ السبيل إلى الرب الجليل؛ فمن بذل ماله ووقته فقد اتخذ سبيلاً إلى ربه.
استقلال القرار الإيماني: تذكير كل إنسان بأن الهداية خيار شخصي ومسؤولية فردية؛ فلتتخذ قرارك بيدك لتسلك السبيل إلى ربك قبل فوات الأوان.