روى الطبري (ج19، ص342)مصدر غير محدد١٩/٣٤٢ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول الآية: "أن اليهود أو مشركي قريش عيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما بال القرآن ينزل عليك مفرقاً الآية والآيتين والسورة، وهلا أُنزل عليك جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود؟ فأنزل الله راداً عليهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}".
وروى الحاكم وصححه والنسائي والبيهقي عن ابن عباس قال: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر في بيت العزة، ثم نزل بعد ذلك مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والأحداث".
وبيّن قتادة والسدي أن قوله: {كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} يعني: أنزلناه مفرقاً ليكون تثبيتاً لقلبك يا محمد بمدد الوحي المتتابع، كلما نزل بك ضيق أو حدثت نازلة أو طرح المشركون شبهة نزل جبريل بالوحي فيربط على قلبك ويسليك.
وقوله: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} قال ابن عباس ومجاهد: "فصلناه تفصيلاً، وأقرأناك إياه شيئاً بعد شيء في مهل وتثبت لتعيه القلوب وتحفظه الصدور".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{جُمْلَةً وَاحِدَةً}: دفعة واحدة مجتمعة غير متفرقة.
{لِنُثَبِّتَ}: التثبيت هو التقوية والربط على القلب ودفع الخوف والتردد.
{وَرَتَّلْنَاهُ}: الترتيل في الأصل التناسق والتفريق المنتظم في مهل، ورتل الشيء رتب أجزاءه بإحسان، ورتل الكلام قرأه بتمهل وتبيين وتفصيل.
الإعراب:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا}: فعل وفاعل وصلة.
{لَوْلَا}: حرف تحضيض وتوبيخ.
{نُزِّلَ}: مضارع أو ماض مبني للمجهول بالتشديد.
{عَلَيْهِ}: متعلق بنزل.
{الْقُرْآنُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{جُمْلَةً}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
{وَاحِدَةً}: نعت لجملة منصوب بالفتحة.
{كَذَٰلِكَ}: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: إنزالنا له كذلك، أو متعلق بأنزلناه محذوفاً.
{لِنُثَبِّتَ}: اللام لام التعليل، نثبت مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر يعود على الله، والمصدر المؤول في محل جر متعلق بأنزلناه المقدر.
{بِهِ}: متعلق بنثبت.
{فُؤَادَكَ}: مفعول به لنثبت والكاف مضاف إليه.
{وَرَتَّلْنَاهُ}: الواو عاطفة، رتلنا ماض ونا فاعل والهاء مفعول به.
{تَرْتِيلًا}: مفعول مطلق مؤكد منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذه الحكمة التشريعية والتربوية الكبرى! كشف القرآن عن شبهة جديدة للمشركين تضاف إلى شبهاتهم السابقة؛ فبعد أن اعترضوا على بشريته وأكله ومشيه في الأسواق، اعترضوا هنا على طريقة تنزيل القرآن تنجيماً وتفريقاً.
الرد المباشر ببيان مقاصد التنجيم:
تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم بتكرار زيارة جبريل وتجدد العهد بالوحي عند كل نازلة.
التيسير على الأمة الأمية في حفظه وتدبره والعمل بأحكامه بالتدرج.
الترتيل المحكم في ألفاظه ومفاهيمه: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}.
التعبير بـ {فُؤَادَكَ}: خص الفؤاد - وهو باطن القلب وموضع الاتقاد والتأثر -؛ لأن تثبيت الفؤاد يتبعه ثبات الجوارح كلها في مواجهة الشدائد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة نزول القرآن منجماً مقارنة بالكتب السابقة:
المحاكمة العقلية والتربوية:
الكتب السابقة (كالتوراة) نزلت على أمة ذات كتابة ودولة مستقرة نسبياً، أما القرآن فنزل على أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب؛ فلو نزل جملة واحدة لثقلت عليهم التكاليف ولعجزوا عن استيعابها وحفظها.
نزل القرآن لمعالجة وقائع حية، وأسئلة متجددة، وشبهات طارئة، وغزوات ومحن وأحداث تمتد على مدار 23 عاماً؛ فكان نزول الآية عند الحادثة أبلغ في التأثير، وأقطع لحجة الخصم، وأرسخ في بناء الدولة والمجتمع المسلم خطوة فخطوة.
استمرار الوحي صلة حية بين السماء والأرض، يمد النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة في ساعات الضيق كلما اشتد أذى المشركين.