روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص359)مصدر غير محدد١٩/٣٥٩ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ}: "قال: كان الرجل من مشركي الجاهلية يعبد حجراً أبيض دهراً، فإذا رأى حجراً أحسن منه وأعجب له رمى بالأول وأخذ الآخر فعبده، وكان إذا هوي شيئاً أطاعه وعبده من دون الله، فكان إلهه ما يشتهيه ويهواه".
وروى عن الحسن وقتادة وسعيد بن جبير قالوا: "هو الذي لا يهوى شيئاً إلا ركبه، ولا يشتهي أمراً إلا أتاه؛ لا يحجزه عن معصية وازع من دين ولا عقل، فصار هواه هو إمامه ومعبوده".
وبيّن ابن كثير أن قوله: {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي ألست بحفيظ عليه ولا موكل به حتى ترده عن غيه؛ فمن كان عابداً لهواه منقاداً لشهوته فلا مطمع في هدايته ولا تملك له نفعاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{هَوَاهُ}: ميل النفس إلى ما يلائم شهوتها ولذتها بغير ميزان شرعي أو عقلي، والهوى سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في مهاوي الردى.
{وَكِيلًا}: حفيظاً كفيلاً بهدايته وحراسته من الضلال.
الإعراب:
{أَرَأَيْتَ}: الهمزة للاستفهام التعجيبي، رأيت فعل ماض وفاعله، والرؤية بصرية أو علمية قلبية.
{مَنِ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول لأرأيت.
{اتَّخَذَ}: ماض وفاعله مستتر والجملة صلة من.
{إِلَٰهَهُ}: مفعول به أول منصوب وهو مضاف والهاء مضاف إليه (وقيل: هَوَاهُ مفعول أول وإلهه مفعول ثان، وتقديم أحدهما جائز بلاغياً).
{هَوَاهُ}: مفعول به ثان منصوب بفتحة مقدرة وهو مضاف والهاء مضاف إليه.
{أَفَأَنتَ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري، الفاء عاطفة، أنت ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعمق هذا الغوص النفسي في أعماق الطبيعة البشرية المشركة! بعد أن بين صبرهم وتواصيهم على عبادة الأصنام في الآية السابقة، كشف هنا عن المحرك الحقيقي الأعمق لتلك العبادة: إنه ليس الحجر ولا الوثن، بل هو "الهوى" الكامن في الصدور.
الاستهلال بأسلوب التعجيب: {أَرَأَيْتَ}؛ للفت انتباه النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى هذا النموذج البشري المشوه الذي عطل عقله وعبد رغباته وشهواته.
الاستفهام الإنكاري: {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا}؛ لرفع الحزن عن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وتحديد حدود وظيفته النبوية؛ فالنبي هادٍ ومذكر، وليس حفيظاً ولا وكيلاً على من باع عقله لهواه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عبادة الهوى أصل كل ضلال وإلحاد:
تحليل عقلي وفلسفي محكم: تثبت الآية أن الإنسان لا يمكن أن ينفك عن مفهوم "العبادة" والانقياد؛ فالملحد أو المشرك الذي يزعم أنه تحرر من عبادة الله لم يتحرر في الحقيقة، بل استبدل عبادة الخالق الحق بعبادة شهواته ونزواته وأهوائه المتقلبة؛ فصار هواه هو الذي يشرع له، يحل ما اشتهى ويحرم ما كره؛ وهذا هو الشرك الخفي الذي ينسف كل استدلال عقلي؛ لأن صاحب الهوى لا يبحث عن الحقيقة بل يبحث عما يبرر رغبته العاجلة.