روى الطبري (19/290)مصدر غير محدد١٩/٢٩٠ عن مجاهد وزيد بن أسلم والحسن: {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} أي بالسكينة والوقار والتواضع من غير استكبار ولا تجبر ولا مرح، لا يبتغون علواً في الأرض ولا فساداً؛ وليس المراد التماوت وتصنع الخشوع، فقد كان عمر رضي الله عنه إذا رأى رجلاً يتماوت في مشيه ضربه بدرته وقال: "لا تمت علينا ديننا أماتك الله، كان رسول الله إذا مشى كأنما ينحط من صبب".
روى ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} أي إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم بمثله، بل صفحوا وقالوا كلاماً سديداً يسلمون فيه من الإثم ومن مقابلة السفه بالسفه.
قال ابن كثير (6/122)مصدر غير محدد٦/١٢٢: "هذه صفات عباد الله المؤمنين، الذين أضافهم إلى اسمه الرحمن تشريفاً وتكريماً؛ أولها التواضع والسكينة في المشي والمعاملة، والحلم والأناة عند مقابلة السفهاء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَعِبَادُ}: الواو استئنافية، "عباد" مبتدأ مرفوع بالضمة، وهو جمع عبد، وأصله من التذلل والخضوع لله. وخبر المبتدأ هو قوله في الآية (75): {أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا}، أو محذوف تقديره: لهم الجنة، أو ممدوحون.
{الرَّحْمَٰنِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نعت لـ "عباد" أو بدل منه.
{هَوْنًا}: مصدر واقع موقع الحال، أي هينين لينين متواضعين، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر لبيان نوع المشي (مشياً هيناً). والهَوْن: السكينة والرفق والتواضع دون خيلاء.
{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ}: الواو عاطفة، "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، خاطب فعل ماض، والهاء مفعول به، والميم للجمع.
{الْجَاهِلُونَ}: فاعل خاطبهم مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والمراد بالجهل هنا السفه وسوء الأدب لا ضد العلم.
{قَالُوا سَلَامًا}: قالوا فعل ماض وفاعله، وهو جواب شرط "إذا". "سلاماً" مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره نسلم سلاماً، أو مفعول به مقول القول؛ والمراد به التسلم والمسالمة والقول الذي يسلمون به من الأذى، وليس ابتداء التحية المعروفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة العظمى بين جحود المشركين وتواضع المؤمنين: لما قال المشركون في الآية (60): {وَمَا الرَّحْمَٰنُ} استكباراً ونفوراً، جاء هذا المقطع ليرد عليهم عملياً بنماذج بشرية حية تجسد عبودية الرحمن الحقة، فنُسبوا إليه تشريفاً: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ}.
البدء بصفة المشي والتواضع الحسي: البدء بمظهر المشي الخارجي؛ لأن مشية الإنسان هي الترجمة الحركية الصادقة لما يستقر في باطنه من كبر أو تواضع، ولأن التواضع في المشي والسلوك اليومي هو أول ما يراه الناس من سمت المؤمن.
الترقي من السلوك الذاتي إلى السلوك الاجتماعي: بعد بيان سمتهم في أنفسهم (المشي هوناً)، بين سمتهم في التعامل مع الآخرين عند التعرض للأذى والعدوان (الحلم ومقابلة السفه بالسلام).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير مفهوم "الهَوْن" ونفي شبهة الذلة والتماوت:
التواضع القرآني ليس خنوعاً ولا ذلة ولا تماوتاً يذهب عزة المسلم وهيبته؛ وإنما هو وقار وسكينة واطمئنان قلب مستغن بالله، يفيض على الجوارح أدباً وسكينة.
كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد المتواضعين، وكانت مشيته أسرع المشي وأوقره، كأنما ينحط من صبب، مما يجمع بين القوة والتواضع.
الرد على توهم أن الحلم ضعف أو إقرار للظلم:
قولهم {سَلَامًا} للجاهلين ليس استسلاماً، بل هو استعلاء إيماني وترفع عن التدني إلى مستنقع السباب والجدل العقيم مع من لا يعقل، وادخار للطاقات فيما ينفع، وهو قمة القوة النفسية والتحكم في الغضب.
براعة الإضافة التشريفية في {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ}: تخصيصهم بالإضافة إلى اسم "الرحمن" دون سائر الأسماء؛ دلالة على أن قلوبهم فاضت بالرحمة وانعكست على سلوكهم تواضعاً وحلماً مع الخلق، وتذكيراً بأن رحمة الله وسعتهم فصاروا أهلاً لكرامته.
التعبير بالمصدر {هَوْنًا}: للمبالغة في اتصافهم بالهون حتى كأن مشيتهم عين التواضع والرفق.
الإيجاز البديع في لفظ {سَلَامًا}: كلمة واحدة تختزل الحلم، والترفع، وتجنب الإثم، وحسم الخصومة بأرقى أسلوب أدبي وأخلاقي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التخلق بخلق التواضع ونبذ الكبر: مجاهدة النفس على المشي بالوقار والأدب، ومقت الاستعلاء والتبختر في الملبس والموكب، وتذكر أصل الإنسان الضعيف.
كظم الغيظ والحلم على السفهاء: تدريب النفس على عدم الرد على الشتائم والتعليقات الجارحة بمثلها في الواقع أو في شبكات التواصل، بل الرد بالقول الحسن أو الإعراض الراقي.
الرحمة بالخلق: انعكاس اسم الرحمن على وجدان المؤمن بجعله رفيقاً بالناس هيناً ليناً قريباً من القلوب يألف ويؤلف.