روى الطبري (ج19، ص289)مصدر غير محدد١٩/٢٨٩ بسنده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في رد الله على مقالة المشركين: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} قالوا: "أمر الله نبيه أن يجيبهم: ليس الأمر كما تزعمون من الإفك والأساطير، بل أنزل هذا القرآن الإله الحق العليم بكل خفي وغائب وسر مستور في السماوات والأرض، لا يخفى عليه خافية من شأن خلقه".
وقوله: {إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} قال ابن عباس: "يدعوهم إلى التوبة والرجوع عن كفرهم وافترائهم؛ فمع عظيم ما قالوا من الكفر والبهتان فإنه يعرض عليهم المغفرة والرحمة إن تابوا وأسلموا".
وبيّن ابن كثير أن هذا الرد يتضمن برهانين: برهان الإعجاز العلمي والغيبى المكنون في القرآن الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب، وبرهان الحلم الإلهي بفتح باب المغفرة لهؤلاء المفترين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{السِّرَّ}: الخفي المكتوم الذي لا يطّلع عليه الناس، وعلم السر يستلزم علم الجهر والعلانية من باب أولى وأحرى.
الإعراب:
{قُلْ}: فعل أمر وفاعله مستتر.
{أَنزَلَهُ}: أنزل ماض والهاء مفعول به يعود على الفرقان.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل أنزل، والجملة مقول القول.
{يَعْلَمُ}: مضارع وفاعله مستتر والسر مفعول به، والجملة صلة الموصول.
{فِي السَّمَاوَاتِ}: متعلق بحال من السر أو بيعلم.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف مجرور.
{إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}: إن واسمها، وكان واسمها المستتر وخبراها، والجملة مستأنفة للترغيب والتوبة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الرد الرباني المحكم! المشركون ادعوا أن القرآن أملي في خفاء الليالي وظلم الغرف بكرة وأصيلاً، فجاء الجواب: إن الذي أنزله هو الذي يعلم السر في مجرات السماوات وأعماق الأرض؛ فكيف يخفى عليه ما تدعونه من الكذب والخفاء لو كان حقاً؟!
الاستدلال بعلم السر على مصدر الوحي: فالقرآن يفيض بأنباء الغيب، وأسرار النفوس، وحقائق الكون والخلق، وتلك أسرار لا يحيط بها إلا من يعلم سر السماوات والأرض.
عطف {إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}: التفات رحيم عجيب يفيض حِلماً؛ فلم يعاجلهم بالعقوبة على افترائهم القبيح، بل دعاهم إلى الاستغفار ونيل رحمته الواسعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الغيبي والعلمي للقرآن برهان ربانيته:
لو كان القرآن من تأليف بشر لظهر فيه عجز البشر وجهلهم بأسرار الكون والغيب ولتغير بتغير المعارف البشرية؛ أما وأن القرآن يخبر عن أسرار نشأة الكون، وحركة الأجنة، وتاريخ الأولين، وخلجات القلوب، ويتحدى كل العصور دون أن يناقض حقيقة علمية ثابتة، فذلك البرهان الحاسم على أنه تنزيل العليم بالسر في السماوات والأرض.
الاكتفاء بذكر {السِّرَّ}: إيجاز بليغ يدل على كمال الإحاطة؛ لأن من علم السر المستور كان علمه بالجهر المكشوف أظهر وأولى.
التذييل بمغفرة الله ورحمته في سياق الرد على الشرك: دلالة على سعة الحلم الإلهي؛ فالله تعالى يسمع شتم العباد له بنسبة الولد والافتراء على نبيه ومع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويدعوهم إلى التوبة.
تدبر رقابة الله التامة: استشعار المؤمن أن ما يسره في صدره وما يخفيه في خلوته معلوم مكشوف عند ربه كأظهر سر في السماوات والأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
تلطف الداعية ودعوته للمخالفين بالرحمة: التأسي بالحلم الإلهي في فتح باب الرجاء والتوبة حتى للذين افتروا على الدين وشوهوه.
مراقبة السرائر والخواطر: تربية النفس على إخلاص الباطن لله؛ لأنه سبحانه يعلم السر وأخفى.
الاعتصام بالقرآن في كشف خبايا الأمور: اليقين بأن في كتاب الله الشفاء والفرقان الكاشف لكل ما تكنه صدور الأعداء من مكر وشبهات.