كرر الله تعالى التبريك والتمجيد لنفسه العلية، رداً على مقترحات المشركين التي طلبوا فيها كنزاً أو جنة يأكل منها النبي صلى الله عليه وسلم؛ روى الطبري (ج19، ص298)مصدر غير محدد١٩/٢٩٨ بسنده عن خيثمة قال: "قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعطه أحد قبلك ولا يعطاه أحد بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله شيئاً، وإن شئت جمعناها لك في الآخرة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل تجمعونها لي في الآخرة، فأنزل الله عز وجل: {تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا}".
وقرأ الجمهور: {وَيَجْعَل لَّكَ} بالجزم عطفاً على محل جواب الشرط (جَعَلَ)، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم برواية حفص بالرفع: {وَيَجْعَلُ لَّكَ قُصُورًا} استئنافاً أو عطفاً على موضع الجملة.
وقال ابن كثير: "يقول تعالى راداً على هؤلاء الجهلة ومبيناً أنه قادر على أن يعطي رسوله ما هو أعظم وأفضل مما طلبوه بمشيئته النافذة، ولكنه تعالى اختار لرسوله ما هو أبقى وخير في دار المقامة الأبدية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ}: أفضل وأعظم وأوسع مما اقترحوه من كنز ملقى وبستان دنيوي يأكل منه.
{قُصُورًا}: جمع قَصْر، وهو البناء الشامخ المشيد الحصين الرفيع المنازل.
الإعراب:
{تَبَارَكَ الَّذِي}: تقدم إعرابها.
{إِن شَاءَ}: إن شرطية جازمة، شاء ماض في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر.
{جَعَلَ}: فعل ماض مبني في محل جزم جواب الشرط والفاعل مستتر يعود على الله.
{لَكَ}: متعلق بجعل.
{خَيْرًا}: مفعول به لجعل منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مِّن ذَٰلِكَ}: جار ومجرور واسم إشارة متعلق بمحذوف نعت لخيراً.
{جَنَّاتٍ}: بدل تفصيل من خيراً منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}: جملة نعت لجنات في محل نصب.
{وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا}: الواو عاطفة، يجعل مضارع مجزوم عطفاً على محل جعل (على قراءة الجزم)، أو مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر وقصوراً مفعول به والجملة مستأنفة (على قراءة الرفع).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا التناظر والإعجاز في رد العجز على الصدر!
وعقبت في الآية العاشرة بـ: {تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ} (تبريك القدرة والغنى والنعيم).
الرد المزلزل على شبهتهم السابقة في الآية (8): طلبوا مجرد جنة عادية وبستان بائس في بطحاء مكة ليأكل منه، فأخبرهم الله أنه قادر على أن يجعل له جنات لا جنة واحدة، وأنهاراً متدفقة لا بئراً شحيحة، وقصوراً مشيدة لا عريشاً، ولكن مشيئته وحكمته ادخرت له خيرات الآخرة الباقية.
تعليق العطاء بالمشيئة الإلهية {إِن شَاءَ}: تأكيد لمطلق طلاقة القدرة والحرية الإلهية؛ فالله لا يوجب عليه أحد شيئاً ولا يعجزه شيء، بل يعطي ويمنع بحكمته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة عدم إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم بساتين وقصور الدنيا في مكة:
برهان الحكمة الإلهية:
لو أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم لأقبل عليه الناس طمعاً في ماله وجناته وقصوره، فتختلط دوافع الإيمان بالنفاق الدنيوي.
ولكان في ذلك حرمان للمسلمين من أعظم درس في الزهد، والتواضع، والصبر على شظف العيش، واليقين بالدار الآخرة.
ولظن المتكبرون أن مقياس النبوة هو الترف الدنيوي، فيبقى الفقراء والضعفاء في حسرة؛ فاقتضت الحكمة أن يعيش بينهم كأحدهم ليكون أسوة للبشرية في كل أحوالها.
المقابلة التفضيلية: بين نكرتهم المقترحة {جَنَّةٌ} بالمفرد، وبين العطاء الرباني الواسع {جَنَّاتٍ} بالجمع مع الأنهار والقصور.
قراءة الرفع في {وَيَجْعَلُ لَّكَ قُصُورًا}: بشارة مستقبلية بوعد إلهي قطعي بالقصور العالية في الجنة؛ لأن الرفع يفيد الاستئناف والتحقق الثابت الذي لا يقيده شرط.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إيثار الآخرة على الدنيا: استحضار خيار النبي صلى الله عليه وسلم حين اختار أن يكون عبداً رسولاً لا ملكاً نبياً، ورغب فيما عند ربه.
اليقين بغنى الله وعطائه: أن يعلم المؤمن أن حرمان الدنيا ليس لهوان العبد على ربه، بل قد يكون ادخاراً لكرامته ونعيمه الأبدي في جنات النعيم.
الطمأنينة لحكمة التدبير الإلهي: الرضا بما قسم الله للعبد من قلة أو كثرة؛ فمشيئة الله محكومة بالرحمة والحكمة والخير المحض.