روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص356)مصدر غير محدد١٩/٣٥٦ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا}: "كان مشركو قريش (كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل) إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بهم في مجالسهم استهزؤوا به وتضاحكوا، وقالوا تحقيراً وازدراءً: {أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا}؟! يعنون: أهذا الفقير اليتيم الذي لا مال له ولا حشم يختاره الله رسولاً ويدعنا ونحن كبراء مكة وساداتها؟! كقولهم في موضع آخر: {لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}".
وقال ابن كثير: "يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأوه، وتنقصهم إياه استكباراً وعناداً، كما قالوا تعجباً واستنكاراً: أهذا الضعيف الذي يدعي أن الله بعثه إلينا؟!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{رَسُولًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة، أو مفعول به ثان إن ضُمّن بعث معنى صير.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد هذا التتابع في كشف سيكولوجية المكذبين! بعد أن استعرضت الآيات السابقة مصارع الأمم الهالكة ومرور قريش على قرية قوم لوط المغرقة بحجارة السجيل دون اعتبار، بينت هنا موقفهم العملي عند رؤية النبي صلى الله عليه وسلم: وهو الاستهزاء والازدراء والسخرية.
استخدام اسم الإشارة للقريب {أَهَٰذَا}: بقصد التحقير والإشارة الحسية المباشرة؛ لتصغير شأنه في أعين أتباعهم وتثبيط العوام عن الاستماع إليه.
التعبير بـ {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا}: بصيغة الحصر؛ لبيان أن الاستهزاء كان ديدنهم الوحيد وردهم الفوري كلما لاحت لهم طلعته الشريفة، عجزاً منهم عن مقارعة حجته بالعقل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك سلاح السخرية والاستهزاء ضد المصلحين:
تكشف الآية قانوناً اجتماعياً مطرداً: السخرية هي الملاذ الأخير للمنهزم فكرياً وأخلاقياً؛ فالمشركون لما عجزوا عن معارضة القرآن، وعجزوا عن اتهام النبي في أمانته وصدقه وأخلاقه التي عرفوها أربعين عاماً، لجؤوا إلى السخرية من فقره وبشريته وظروفه المادية؛ وهذا الإفلاس برهان على قوة الحق وتهافت الباطل؛ فالحق يقارع بالبرهان، والباطل يتستر بالضحك والهمز واللمز.
الاستفهام الإنكاري التحقيري في {أَهَٰذَا}: غاية في إظهار الاستخفاف والتعالي الطبقي الجاهلي.
حذف العائد في صلة الموصول {بَعَثَ اللَّهُ}: إيجاز بليغ يشعر بعدم رغبتهم في إتمام الجملة من فرط استهزائهم.
تدبر عاقبة المستهزئين: الذي قالوا عنه بالأمس تحقيراً: "أهذا الذي بعث الله رسولاً؟"، دانت له جزيرة العرب بعد سنوات قليلة، وفتحت رسالته مشارق الأرض ومغاربها، وصار اسمه يرفع مع اسم الله خمس مرات في اليوم على كل مئذنة في الأرض، ومات المستهزئون بذلهم وخزيهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات أمام سخرية المبطلين: ألا يفت في عضد الداعية استهزاء الإعلام المنحرف أو سخرية المترفين؛ فهذا ديدنهم مع سيد الخلق.
نبذ المعايير الطبقية والمادية: وزن الناس بإيمانهم وتقواهم لا بأموالهم وأحسابهم وظواهرهم.
الإشفاق على المستهزئين: مواجهة السخرية بالحلم والبيان، واليقين بأن العاقبة للتقوى.