روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص363)مصدر غير محدد١٩/٣٦٣ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ}: "قال: هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ يكون الظل ممدوداً سابغاً في الأرض كلها لا شمس فيه"، وقيل: "هو الظل مطلقاً من أول النهار إلى آخره، يمتد وينبسط بقدرة الله".
وفي قوله: {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا}: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: "أي دائماً ثابتاً لا تزيله الشمس ولا يتقلص ولا يتحول؛ فتبقى الأرض في ظلمة باردة دائمة أو ظل ساكن دائم"، {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} قال قتادة: "دليلاً يتلوه ويتبعه، فلولا الشمس ما عُرف الظل؛ فالأشياء إنما تعرف بأضدادها".
وقال ابن كثير: "ينبه تعالى على كمال قدرته وعظيم سلطانه في خلق الظل وتمديده وتقليصه؛ فإن الظل يمتد قبل شروق الشمس، فإذا طلعت الشمس دلت عليه بظهورها وأخذت في نقصه وقبضه تدريجياً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَدَّ الظِّلَّ}: بسطه ونشره في الآفاق؛ والظل نقيض الضحّ، وهو انحجاب ضوء الشمس عن موضع من الأرض.
{سَاكِنًا}: ثابتاً مستقراً لا يتحرك ولا يزول ولا تتبادله الشمس.
{دَلِيلًا}: هادياً ومرشداً ودالاً عليه ومسلطاً على تتبعه.
الإعراب:
{أَلَمْ تَرَ}: الهمزة للاستفهام التعجيبي التقريري، لم جازمة، تر مضارع مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت، والرؤية قلبية اعتباريه وتعدت بإلى لتضمينها معنى انظر.
{إِلَىٰ رَبِّكَ}: متعلق بـ تر.
{كَيْفَ}: اسم استفهام في محل نصب حال من الظل، أو مفعول به لمد، وجملة كيف مد الظل في محل نصب بدل اشتمال أو معلقة.
{مَدَّ}: ماض وفاعله مستتر يعود على الرب، و{الظِّلَّ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَلَوْ}: الواو حالية أو عاطفة، لو شرطية امتناعية.
{لَجَعَلَهُ}: اللام واقعة في جواب لو، جعل ماض وفاعله مستتر والهاء مفعول أول.
{سَاكِنًا}: مفعول به ثان لجعل منصوب بالفتحة الظاهرة، والجملة جواب لو لا محل لها.
{ثُمَّ}: حرف عطف للتراخي الرتبي أو الزماني.
{جَعَلْنَا}: ماض ونا فاعل.
{الشَّمْسَ}: مفعول به أول لجعلنا.
{عَلَيْهِ}: متعلق بدليلاً.
{دَلِيلًا}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من ظلمة القلوب البهيمية إلى رحاب الآيات الكونية الكبرى! بعد أن رسم مشهد ضلال المشركين وانحطاطهم، وجه الأبصار والبصائر إلى أعظم معارض القدرة الربانية الهادئة المألوفة: آية الظل والشمس.
التعدية بـ {إِلَىٰ}: {أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ}؛ لم يقل: "ألم تر ربك"، بل عدّاه بـ (إلى)؛ لأن المعنى: ألم تنظر متأملاً متفكراً إلى صنع ربك وتدبيره في خلقه.
الترتيب المحكم: مد الظل أولاً في سعة الفجر، ثم إظهار الشمس كدليل عليه، ثم قبضه تدريجياً؛ حركة كونية يومية متجددة يراها كل إنسان وتفيض بالإعجاز والإتقان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الفيزيائي والفلكي في حركة الظل والأجرام:
تدل الآية على برهان فلكي دقيق: حركة الظل ليست ذاتية، بل هي ناتجة عن دوران الأرض حول نفسها أمام قرص الشمس بزاوية ميلان محكمة؛ فلو توقفت حركة الأرض لصار الظل ساكناً في نصف الكرة والشمس محرقة في النصف الآخر ولهلكت الحياة؛ فجعل الظل ممتداً ومتحركاً بدلالة مسار الشمس هو الأساس الفيزيائي لحفظ توازن درجات الحرارة ونمو النبات ومعرفة مواقيت العبادات وأوقات العمل والراحة.
اللطافة التعبيرية في {جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا}: استعارة وتشبيه رائع؛ جعل الشمس كالدليل المرشد الذي يتبع الأثر ويحدد مقداره؛ فلولا النور لما عرف الظلام، ولولا الشمس لما تميز الظل؛ فالأشياء بضدها تتميز وتتجلى.
الالتفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة: {مَدَّ... ثُمَّ جَعَلْنَا}؛ لبيان عظمة الفعل والتدبير الإلهي المباشر.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عبادة التفكر في الظواهر الكونية الهادئة: ألا يمر الإنسان على الظل والشمس والشروق والغروب مرور الغافلين، بل يجعلها محراباً للتوحيد وتسبيح الخالق.
استشعار حكمة التبدل والحركة: اليقين بأن تصريف الظل والنور دليل على أن الكون محكوم بإرادة حكيمة متصرفة، فكذلك هموم العباد وظلمات كروبهم تنقشع بنور الفرج.
شكر نعم الله غير المحسوسة: شكر نعمة اعتدال المناخ والظلال التي تحفظ حياة الكائنات على كوكب الأرض.