روى الطبري (19/300)مصدر غير محدد١٩/٣٠٠ عن قتادة ومجاهد: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} أي يُجعل له العذاب عذابين أو أضعافاً مضاعفة لكفره واجترائه على محارم الله وتعديه، {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} أي يقيم في ذلك العذاب صاغراً ذليلاً مهاناً مبعداً من رحمة الله.
قال ابن كثير (6/126)مصدر غير محدد٦/١٢٦: "أي يكرر عليه العذاب ويغلظ، ويخلد فيه محتقراً ذليلاً؛ وهذا الوعيد الشديد والخلود الأبدي محمول على من ارتكب هذه الكبائر وهو مشرك بالله، أو مات مصراً عليها مستحلاً لها؛ وأما مرتكب الكبائر من موحدي أهل القبلة ومات غير تائب، فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ومآله إن عُذب إلى الخروج من النار بالشفاعة ورحمة أرحم الراحمين".
القراءات في {يُضَاعَفْ} و{يَخْلُدْ}: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي: {يُضَعَّفْ} بتشديد العين بغير ألف، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر: {يُضَاعَفْ} بالألف وتخفيف العين. وقرأ عامة القراء بجزم {يُضَاعَفْ} و{يَخْلُدْ} على البدل من {يَلْقَ}، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بالرفع على الاستئناف.
خصوصية رواية حفص عن عاصم في إشباع هاء الكناية: قوله تعالى: {فِيهِۦ مُهَانًا} يقرؤها حفص بمد الهاء وإشباعها وصلاً بمقدار حركتين (ياء مدية) على خلاف قاعدته في هاء الضمير المسبوقة بساكن؛ تفخيماً وتهويلاً لبشاعة الخلود وإهانة المعذب في النار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُضَاعَفْ}: فعل مضارع مبني لما لم يُسم فاعله (مبني للمجهول) مجزوم لأنه بدل من فعل الشرط وجوابه "يلق" (بدل اشتمال أو تفصيل وتفسير للأثام)، وعلامة جزمه السكون.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ "يضاعف".
{الْعَذَابُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: ظرف زمان منصوب متعلق بـ "يضاعف"، والقيامة مضاف إليه مجرور.
{وَيَخْلُدْ}: الواو عاطفة، يخلد فعل مضارع مجزوم بالعطف على "يضاعف"، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{فِيهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ "يخلد"، والضمير يعود على العذاب.
{مُهَانًا}: حال منصوبة من الفاعل المستتر في "يخلد"، اسم مفعول من أهان يهين إهانة، أي واقعاً عليه الهوان والذل والاحتقار التام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل مجمل الأثام: جاءت هذه الآية بياناً وتفصيلاً لما أجمل في قوله: {يَلْقَ أَثَامًا}؛ فبينت أن هذا الأثام ليس مجرد عذاب عادي عابر، بل هو عذاب مغلظ مضاعف يصحبه خلود وهوان، وهو أقصى ما تبلغه العقوبة من النكال.
التمهيد لفتح باب التوبة والأمل: هذا التغليظ والتهويل في الوعيد جاء تمهيداً لانبثاق نور الرجاء والتوبة في الآية التالية مباشرة: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا}؛ فكلما عظم هول الذنب وعقابه، برزت عظمة التوبة وسعة مغفرة الله وفضله في استنقاذ الهالكين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحرير عقيدة أهل السنة في مرتكب الكبيرة ووعيد الخلود:
استدلت الخوارج والمعتزلة بظاهر هذه الآية على تخليد مرتكب الكبيرة (كالقاتل والزاني) في النار.
رد أئمة السنة قاطبة (كالطبري، وابن كثير، وابن تيمية، والقرطبي) بأن الآية مسوقة أصلاً في حق من جمع بين هذه الكبائر وعلى رأسها الشرك: {لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ}؛ فالشرك هو الموجب للخلود الأبدي إجماعاً.
أما المسلم الموحد إذا ارتكب قتلاً أو زنى ومات بلا توبة، فهو تحت مشيئة الله بنص قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}؛ وإن دخل النار فعذابه مؤقت ولا يخلد فيها خلود الكفار، وتدركه شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه بالتوحيد.
الجمع بين مضاعفة العذاب والعدل الإلهي: مضاعفة العذاب هنا عدل تام؛ لتعدد الجرائم؛ فمن كفر وقتل وزنى استحق عذاباً مضاعفاً يوازي شناعة أفعاله المركبة، فالعقاب على قدر الجناية.
الإبدال والتفصيل بعد الإجمال: إبدال {يُضَاعَفْ} من {يَلْقَ أَثَامًا} لإيقاع الرهبة في النفوس تدريجياً؛ من الوعيد المجمل إلى التفصيل المروع.
ذكر الهوان {مُهَانًا} بعد ذكر العذاب: العذاب البدني مؤلم للجسم، ولكن الهوان والتحقير والذل أشد ألماً على الروح والنفس؛ فالمشرك كان يتكبر في الدنيا ويستعلي، فكان جزاؤه العادل أن يُذل ويُهان في جهنم جزاء وفاقاً.
خصوصية الإشباع الصوتي في {فِيهِۦ مُهَانًا} لحفص: هذا المد الصوتي الخارق للقاعدة يشعر السامع بمدى طول مدة المكث واستمرار الذل، كأن الصوت يمتد متناسباً مع امتداد الهوان والخلود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم خطورة اجتماع الكبائر: الحذر الشديد من الاستهانة بصغائر الذنوب التي تقود إلى كبائرها، ومراقبة الله في السر والعلن للنجاة من مضاعفة العذاب.
النذارة الصادعة للمجرمين: واجب المصلحين والدعاة ألا يداهنوا الظلمة والقتلة والمجاهرين بالفواحش، بل يصدعوا بآيات الوعيد الرادعة؛ لإيقاظ ضمائرهم قبل حلول النكال.
الإشفاق على النفس وسرعة التوبة: أن يبادر كل مقصر إلى غسل صحيفته بالدمع والاستغفار؛ فالأمر جد خطير والخلود في الهوان لا طاقة لأحد به.