روى الطبري (19/286)مصدر غير محدد١٩/٢٨٦ عن مجاهد وقتادة ومقاتل: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تدل على إحكام الصنع وتدبير الأمر بحكمة وتؤدة ليتعلم العباد التأني. {ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ} استواء يليق بجلاله وعظمته، علا وارتفع دون تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل.
قال ابن كثير (6/119)مصدر غير محدد٦/١١٩: "{الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} أي اسأل عنه من هو خبير به وبأسمائه وصفاته، وهم الرسل والعلماء الربانيون؛ وأعلم الناس بربه وخبيره هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: خبيراً منصوب على التمييز أو الحال، أي فاسأل عنه تجده خبيراً بكل شيء محيطاً بأمره".
نقل البغوي وابن عبد البر إجماع أهل السنة والجماعة على إمرار آيات الصفات كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل، فالاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والعرش أعظم المخلوقات وسقف الجنة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الَّذِي}: اسم موصول في محل جر نعت ثان لـ "الحي"، أو في محل رفع مبتدأ خبره الرحمن، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو.
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}: خلق فعل ماض، وفاعله مستتر، والسماوات مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والأرض معطوف عليه.
{وَمَا بَيْنَهُمَا}: معطوف على الأرض، وبينهما ظرف مكان متعلق بصلة الموصول المحذوفة.
{فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ "خلق"، وأيام مضاف إليه مجرور.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي المعنوي لعلو الرتبة أو الزمني.
{اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ}: استوى فعل ماض مبني على فتح مقدر، وفاعله مستتر، وعلى العرش جار ومجرور متعلقان بـ "استوى". والعرش في لغة العرب: السرير ذو القوائم والملك.
{الرَّحْمَٰنُ}: إما خبر لمبتدأ محذوف (هو الرحمن)، أو بدل من الضمير في "استوى"، أو مبتدأ خبره جملة "فاسأل به خبيراً".
{فَاسْأَلْ}: الفاء فصيحة، اسأل فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره أنت.
{بِهِ}: جار ومجرور؛ والباء إما بمعنى "عن" (فاسأل عنه خبيراً كقوله: فاسأل به آل حطام)، أو للسببية والملابسة.
{خَبِيرًا}: مفعول به لـ "اسأل" إن كانت الباء للملابسة، أو حال من السائل أو المسؤول، أو تمييز.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترسيخ عظمة المعبود المتوكل عليه: بعد أن أمر نبيه بالتوكل على الحي الذي لا يموت، بسط هنا مظاهر ملكه وسلطانه في خلق الكون بأسره وعلوه على عرشه المجيد؛ ليمتلئ قلب المتوكل طمأنينة ويقيناً بأنه لجأ إلى رب السموات والأرض الذي بيده مقاليد كل شيء.
الجمع بين الجلال والجمال: عقب ذكر العرش والقدرة المطلقة باسم {الرَّحْمَٰنُ}؛ ليعلم العباد أن تدبير هذا الملكوت العظيم قائم على الرحمة والعدل واللطف، لا على القهر المجرد والجبروت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على شبهة الخلق في ستة أيام مع كمال القدرة:
قد يسأل سائل: ألم يكن الله قادراً على خلق السموات والأرض بكلمة "كُنْ" في طرفة عين؟! بلى وهو على كل شيء قدير.
ولكن خلقهما في ستة أيام يحمل حكماً بالغة:
تعليم العباد التؤدة والتأني والتدرج في إنجاز الأمور وتشييد الحضارات.
إظهار الإتقان والترتيب الباهر بين أجزاء الكون وتكامل وظائفها مرحلة بعد مرحلة.
الدلالة على أن التأني في الإيجاد صادر عن علم وحكمة وليس عن عجز وتخبط.
إثبات صفة الاستواء وفق منهج أهل السنة ودفع شبهات التعطيل والتمثيل:
يستوي الله على عرشه استواء حقيقياً يليق بجلاله، بلا كيف ولا حصر ولا مماسّة ولا حاجة للعرش؛ فالرب غني عن العرش وما دونه، والعرش وحملته محمولون بقدرته.
مذهب السلف يثبت النص دون تشبيه بصفات المخلوقين ودون تحريف للفظ بالاستيلاء والقهر كما ذهب أهل البدع؛ إذ القهر حاصل لكل المخلوقات والعرش خُص بالاستواء لتميزه وتشريفه.
اقتران الاستواء باسم "الرحمن" دون غيره: سراً بلاغياً عقدياً عظيماً؛ فالرحمة هي الصفة التي وسعت كل شيء، واستواؤه على العرش بالرحمة يعم سائر خلقه بالرعاية واللطف والتدبير الحكيم.
الإيجاز في {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}: توجيه بديع لطلب الحق من أهله العارفين به، والتأكيد على أن معرفة الله وأسمائه وصفاته لا تؤخذ إلا عن طريق الوحي الصادق والعلم الراسخ.
تدبر عظمة العرش: استحضار عظمة مخلوقات الله لاستشعار عظمة الخالق سبحانه؛ فالسموات السبع في الكرسي كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش كتلك الحلقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس التدرج والصبر في الإصلاح: التعلم من خلق الكون في ستة أيام أن الأهداف الكبرى تتطلب زمناً ومراحل مدروسة، وأن الاستعجال يفسد البناء.
التماس الفتوى والعلم من أهله: التحذير من التكلم في العقائد بغير علم، والتأكيد على سؤال العلماء الربانيين الراسخين في الدين {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}.
الشعور بعلو الله ورحمته: أن يعيش المسلم مستشعراً مراقبة الملك الجليل العلي على عرشه، الطامع في رحمته السابغة التي شملت الأكوان.