روى الطبري في جامع البيان (19/288)مصدر غير محدد١٩/٢٨٨ بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: {جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} أي منازل الكواكب والنجوم العظام والشمس والقمر التي تنزل فيها؛ وقيل: هي النجوم الكبار المضيئة، وأصل البروج القصور العالية المشيدة لارتفاعها وظهورها.
قال ابن كثير (6/120)مصدر غير محدد٦/١٢٠: "{تَبَارَكَ} تمجيد لله تعالى وتعظيم لنفسه الكريمة، على ما خلق في السماء من البروج وهي الكواكب العظام ومنازلها الاثني عشر المعروفة، {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} وهي الشمس الوهاجة المضيئة لجميع أهل الأرض، {وَقَمَرًا مُّنِيرًا} أي يضيء بنور آخر مستمد مباين لنور الشمس، يضيء في ظلمة الليل بلا إحراق".
قراءة حفص وحمزة والكسائي: {سِرَاجًا} بالإفراد، وقرأ الباقون: {سُرُجًا} بالجمع؛ والسراج بالإفراد يراد به الشمس لقوله في نوح: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}، وبالجمع يشمل الشمس والكواكب المضيئة النيرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَبَارَكَ}: فعل ماض جامد لا يتصرف، مشتق من البركة، وهي كثرة الخير وثبوته ونماؤه؛ ولا يستعمل هذا الفعل إلا لله تعالى دلالة على تعاليه وتعاظم خيره وإحسانه.
{الَّذِي}: اسم موصول في محل رفع فاعل لـ "تبارك".
{جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا}: جعل فعل ماض ينصب مفعولين، فاعله مستتر، وفي السماء جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان مقدم، وبروجاً مفعول به أول مؤخر. والبروج جمع برج، وهو البناء الشامخ العالي، مأخوذ من التبرج وهو الظهور والانكشاف.
{وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا}: عطف على الجملة السابقة، سراجاً مفعول به. والسراج: المصباح الزاهر الوقاد الذي يجمع الضوء والحرارة.
{وَقَمَرًا}: معطوف على سراجاً منصوب.
{مُّنِيرًا}: نعت لـ "قمراً" منصوب، اسم فاعل من أنار ينير، أي ذا نور وضاء يبدد الظلام برفق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
افتتاح المقطع بتكرار التبريك: السورة افتتحت بـ {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ}، وجاءت في منتصفها {تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ}، وتفتتح هذا المقطع الختامي بـ {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا}؛ لتؤكد تناسق دلائل التنزيل مع دلائل الآفاق، وأن البركة المطلقة لله وحده.
التمهيد لذكر "عباد الرحمن": بعد أن ذكر كفر المشركين وجحودهم لاسم الرحمن في الآية السابقة: {قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ}، نزه نفسه وأظهر عظيم سلطانه الفلكي، تمهيداً لبيان صفات المؤمنين الصادقين الذين يعبدون الرحمن حق العبادة ويستجيبون لأمره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الفلكي والفيزيائي في التمييز بين {سِرَاجًا} و{قَمَرًا مُّنِيرًا}:
لم يقل القرآن "سراجين" ولا "نيرين"، بل وصف الشمس بالسراج (المصباح المشتعل بذاته المصدر للضوء والحرارة والطاقة)، ووصف القمر بأنه منير (جسم يعكس الضوء ولا يصدر حرارة ذاتية إشعاعية)، وهو ما كشفه العلم الفلكي الحديث بدقة متناهية بعد قرون طويلة.
إحكام منازل البروج وحركة الأجرام بدقة رياضية صارمة ينفي العبث والصدفة، ويقيم الحجة العقلية على وجود الخالق المهيمن علام الغيوب.
دحض التنجيم الشركي: البروج في القرآن آيات كونية ومنازل للأجرام يستدل بها على المواسم ومواقيت العبادات والجهات، وليست مؤثرة بذاتها في أقدار البشر ولا في السعادة والشقاء كما يدعي المنجمون والدجالون.
رد العجز على الصدر: تكرار فعل {تَبَارَكَ} ثلاث مرات في السورة يمنحها إيقاعاً تمجيدياً متناسقاً يربط مقاطعها برباط التوحيد والتعظيم.
الاستعارة التصريحية في تسمية منازل النجوم {بُرُوجًا}: تشبيه المنازل الفلكية بالحصون والقلاع العالية المشيدة، دلالة على عظمتها وحراستها للكون ورجومها للشياطين.
المقابلة اللطيفة بين وهج السراج ولطف نور القمر: تلائم حاجة الإنسان؛ فالشمس للنشاط والحركة وإنضاج الثمار، والقمر لأنس الليل وراحة الأبدان والاهتداء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
النظر والتفكر في السماء وزينتها: امتثال التوجيه القرآني بالنظر الفاحص في النجوم ومواقعها لزيادة اليقين وترسيخ الإيمان بعظمة الخالق.
استحضار البركة الإلهية: تعويد اللسان على تمجيد الله وتسبيحه عند رؤية الآيات الكونية الباهرة، واستشعار نعمائه في تسخير الأفلاك.
البراءة من الكهانة والتنجيم: تحذير المسلم من قراءة الأبراج وتصديق تأثيرها المزعوم في الغيب؛ فإن ذلك من مضاهاة الشرك ومخالفة صريح التوحيد.