روى الطبري (19/283)مصدر غير محدد١٩/٢٨٣ عن قتادة والسدي: أي وما بعثناك يا محمد إلى هؤلاء المكذبين إلا لتبشر من أطاع بالجنة والكرامة، وتنذر من عصى بالنار والعذاب؛ وليس عليك إكراههم على الإيمان ولا محاسبتهم، بل الحساب على الله.
قال ابن كثير (6/117)مصدر غير محدد٦/١١٧: "أي مبشراً للمؤمنين برضوان الله وجنته، ونذيراً للكافرين بسخط الله وناره؛ وما عليك إلا البلاغ المبين، ولست بمسيطر عليهم، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات".
بين القرطبي (13/61)مصدر غير محدد١٣/٦١: في هذا تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وتخفيف لحزنه على كفر قومه وإعراضهم، بعد أن بينت الآيات السابقة شدة عداوتهم ومظاهرتهم للشيطان؛ فلا يضيق صدرك بما يفعلون، فإنما أنت مبلغ وبشير ونذير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، "ما" نافية تفيد النفي المحض.
{أَرْسَلْنَاكَ}: فعل ماض مبني على السكون، و"نا" ضمير متصل فاعل، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة لتقدم النفي عليها (استثناء مفرغ).
{مُبَشِّرًا}: حال منصوبة من الكاف في "أرسلناك"، اسم فاعل من بشّر يبشّر تبشيراً، وهو الإخبار بالخير الذي يسر القلب وتتهلل له البشرة.
{وَنَذِيرًا}: معطوف على مبشراً منصوب، فعيل بمعنى منذر، وهو المخبر بالسوء المقترن بالتخويف والتحذير لتجنبه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رفع الحرج والأسى عن الرسول: لما بينت الآية السابقة أن الكافر صار ظهيراً للشيطان على ربه ومستميتاً في الشرك، كان من شأن ذلك أن يحزن النبي صلى الله عليه وسلم ويشعر بالتقصير؛ فجاءت هذه الآية بأسلوب القصر والحصر لترسم حدود الرسالة وتطمئن قلبه بأن وظيفته محددة في التبشير والإنذار، والنتائج بيد الله.
التمهيد لطلب التجريد من الطمع الدنيوي: بيان وظيفته الدعوية الخالصة مهّد لقوله في الآية التالية: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ}؛ فالذي لا يملك إلا التبشير والإنذار لوجه الله لا يطلب جزاءً دنيوياً ولا جاهاً شخصياً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة الإكراه في الدين:
تقرر الآية بوضوح تام المنهج الدعوي الأصيل في الإسلام؛ فرسالة النبي ليست هيمنة قسرية ولا فرضاً للإيمان بالسيف والإكراه {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}.
التبشير والإنذار يخاطبان الإرادة الحرة والوعي الإنساني والوجدان، ومسؤولية الاختيار تقع كاملة على عاتق المكلف بعد قيام الحجة وسماع النذارة.
رد تعنت المشركين بطلب المعجزات القاهرة: رد على طلبهم نزول الملائكة أو رؤية الله عياناً؛ فرسول الله بشر مبعوث للبيان والتوجيه، وليس إلهاً يتصرف في الكون أو ينزل الآيات حسب الأهواء.
أسلوب القصر والحصر بالنفي والاستثناء {وَمَا... إِلَّا}: قصر موصوف على صفة (قصر إضافي)، يفيد حصر مهمة الرسول في هاتين الصفتين الجليلتين؛ لقطع أطماعهم في مساومته، وقطع أوهامهم في نسبة ما ليس من شأنه إليه.
تقديم البشارة على النذارة: ترغيباً في فضل الله وسبق رحمته لغضبه، ولكون الأصل في الدعوة إقبال النفوس على الرجاء قبل الترهيب.
تدبر حرية الضمير: احترام العقل البشري بجعل الاستجابة للدين منطلقة من القناعة الذاتية لا من الإجبار المادي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتدال في ميزان الدعوة (الترغيب والترهيب): على الداعية أن يجمع بين التبشير بفضل الله ونعيمه، والإنذار من عقابه وسخطه، دون إفراط يورث الأمن من مكر الله، ولا تفريط يورث القنوط من رحمته.
تحرير الداعية من ثقل النتائج: واجب الداعية هو البلاغ وحسن الأداء والبيان، أما هداية القلوب فبيد علام الغيوب؛ فلا يحبط الداعية إذا رأى إعراض الناس وعتوهم.
الرحمة بالمدعوين: استشعار مشاعر الشفقة والحرص النبوي على نجاة الخلق من النار والظفر برضوان الله.