روى الطبري (ج19، ص322)مصدر غير محدد١٩/٣٢٢ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ}: "هم طلبوا رؤية الملائكة في الدنيا تكبراً، فأخبرهم الله أنهم سيرون الملائكة حتماً، ولكن في موطنين لا سرور لهم فيهما: إما عند الموت حين تنزل ملائكة العذاب لقبض أرواحهم، وإما يوم القيامة حين تسوقهم الزبانية إلى النار؛ فحينئذ {لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} أي لا بشرى لهم بالجنة كما يبشر المؤمنون، بل يبشرون بالنار وسخط الجبار".
وفي قوله: {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا} قال ابن عباس وعطية العوفي: "كانت العرب إذا نزل بأحدهم أمر يخافه أو لقي عدواً يخشى بأسه قال: حِجْراً محجوراً؛ أي حراماً محرماً أن ينالني منك سوء، واستعاذ بحرمة تحميه؛ فيقول الكفار ذلك للملائكة رجاء النجاة"، وقيل: "هو قول الملائكة للكفار: حراماً محرماً عليكم الجنة والبشرى اليوم".
ورجح ابن كثير والقرطبي أن هذا القول يصدر من المشركين تعوذاً حين يفاجؤون بملائكة العذاب الغلاظ الشداد، فترد عليهم الملائكة بالحرمان التام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{حِجْرًا مَّحْجُورًا}: الحجر هو المنع والحبس والحرمة، ومحجوراً توكيد له، ومعناه: منعاً باتاً وحراماً محرماً مؤكداً.
الإعراب:
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر يوم، أو متعلق بلا بشرى.
{يَرَوْنَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة في محل جر بالإضافة.
{الْمَلَائِكَةَ}: مفعول به ليرون منصوب بالفتحة الظاهرة.
{لَا بُشْرَىٰ}: لا نافية للجنس تعمل عمل إن، بشرى اسمها مبني على الفتح المقدر على الألف في محل نصب.
{يَوْمَئِذٍ}: يوم ظرف زمان بدل من يوم الأول وهو مضاف وإذ اسم مبني وحرك بالكسر للتنوين تنوين العوض.
{لِّلْمُجْرِمِينَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا النافية للجنس.
{وَيَقُولُونَ}: الواو عاطفة أو حالية، يقولون مضارع مرفوع والواو فاعل.
{حِجْرًا}: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: حجر الله حجراً، أو مفعول به لفعل محذوف (نعوذ حِجراً)، والجملة مقول القول.
{مَّحْجُورًا}: نعت منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع التهكم والعدالة الإلهية في هذا النظم المعجز! طلبوا رؤية الملائكة في الآية السابقة مستكبرين: {لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ}، فجاءت هذه الآية لتقول لهم: ستتحقق أمنيتكم وترون الملائكة عياناً! ولكن شتان بين رؤية تطلبونها تكبراً وبين رؤية تفاجؤون بها رعباً عند الاحتضار ومواجهة العذاب.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انقلاب المطالب الحسية إلى نقمات عند فوات الأوان:
المحاكمة العقلية توضح سنّة الله في خلقه: الإنسان الذي يطلب الخوارق عناداً لا إيماناً، إذا استجيب له في غير أوانها تحولت تلك الخارقة إلى وبال عليه؛ فالكافر الذي يطلب رؤية عالم الغيب والملائكة لن يراهم إلا حين ينكشف الغطاء بالموت، وحينها تسقط فرصة التوبة ويتحول مشهد الملائكة من آية إيمان إلى أداة عقاب وانتقام.
أسلوب نفي الجنس بـ {لَا بُشْرَىٰ}: لاستغراق نفي أي نوع من أنواع التبشير أو التخفيف؛ فكل ما يحيط بهم هو إنذار وعذاب ونكال.
حكاية ألفاظهم التراثية {حِجْرًا مَّحْجُورًا}: تصوير نفسي دقيق للرجوع إلى الغرائز الفطرية عند الكوارث؛ فالإنسان حين يباغته الهول يستغيث بأقصى ما في موروثه من ألفاظ الحماية، ولكن لا عاصم اليوم من أمر الله.
تدبر الفرق بين لقاءين: المؤمن تستقبله الملائكة بالسلام والبشرى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا}، بينما المجرم يلقاهم بالرعب والحرمان: {لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العمل لليوم الذي تُستقبل فيه الروح بالبشرى: الاستقامة في الدنيا لتكون لحظة لقاء الملائكة عند الاحتضار لحظة فرح وأمان وسلام.
الحذر من الكبر والمطالب المتعنتة: الاستسلام للحق بدليله دون اشتراط معجزات حسية خاصة.
الإشفاق على المعرضين: تذكير الناس بهول مطلع الآخرة وما يلقاه المجرمون عند انكشاف الحجب.