روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص291)مصدر غير محدد١٩/٢٩١ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول هذه الآيات: "أن رؤساء قريش كعتبة وشيبة وأبي سفيان والنضر بن الحارث وأبي جهل اجتمعوا عند ظهر الكعبة، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكلموه، فقالوا: يا محمد، إن كنت إنما تطلب بهذا الحديث مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنانا، وإن كنت تطلب ملكاً سودناك علينا... فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل علي كتاباً... فقالوا له عند ذلك تعنتاً: فما لك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق كما نمشي؟! فهلا سألت ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك ونراه معك نذيراً؟!".
وبيّن ابن كثير أن المشركين قاسوا الرسالة الإلهية بمقاييس الكبر والتعالي المادي؛ فأنكروا عليه حاجات البشرية الفطرية (كأكل الطعام لطلب الحياة، والمشي في الأسواق لطلب المعاش والتواضع بين الناس)، وطلبوا خوارق معاندة كنزول ملائكة لحراسته وتصديقه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَالِ}: ما اسم استفهام يفيد التعجب والإنكار، واللام حرف جر، واستقر رسمها مفصولة في بعض المواضع وموصولة في أخرى.
{الْأَسْوَاقِ}: جمع سُوق، سميت بذلك لأن البياعات تساق إليها.
{لَوْلَا}: حرف تحضيض وتوبيخ بمعنى: هَلاّ.
الإعراب:
{وَقَالُوا}: فعل ماض والواو فاعل.
{مَالِ}: ما اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ، واللام حرف جر.
{هَٰذَا}: الها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.
{الرَّسُولِ}: بدل من اسم الإشارة مجرور بالكسرة الظاهرة.
{يَأْكُلُ الطَّعَامَ}: مضارع والفاعل مستتر والطعام مفعول به، والجملة في محل نصب حال من هذا الرسول.
{فَيَكُونَ}: الفاء فاء السببية في جواب التحضيض، يكون مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة واسمه مستتر يعود على ملك.
{مَعَهُ}: ظرف ومضاف إليه متعلق بحال من نذيراً أو بنذيراً.
{نَذِيرًا}: خبر يكون منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج منطقي في شبهات المشركين:
الشبهة الأولى (آيات 4 - 6): الطعن في مصدر الرسالة (القرآن) بزعم أنه إفك وأساطير استكتبها.
الشبهة الثانية (آيات 7 - 9): الطعن في شخص الرسول وحالته البشرية ومعيشته المتواضعة؛ فكيف يكون رسولاً وهو بشر يأكل ويمشي في الأسواق ولا يملك أبهة الملوك وحراسة الملائكة؟!
التعبير بـ {هَٰذَا الرَّسُولِ}: استخدموا اسم الإشارة للقريب بقصد التحقير والاستخفاف؛ رغبة في إنكار نبوته.
الجمع بين {يَأْكُلُ الطَّعَامَ} (حاجة البدن الحيوية) و{يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} (حاجة المعاش والمخالطة والتواضع)؛ لإبراز كمال بشريته صلى الله عليه وسلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة بشرية الرسل وعدم إرسال الملائكة:
رد القرآن المحكم على هذه الشبهة المتكررة:
الرسول بُعث ليكون قدوة حية للبشر في صلاتهم وصيامهم وأخلاقهم وتصرفاتهم في المعاش وسوق العمل، فلو كان ملكاً لقال الناس: "هذا ملك لا يجوع ولا يظمأ ولا يشتهي فكيف نقتدي به؟!"؛ فسقطت حجة التأسي.
لو نزل الملك بصورته الحقيقية لما استطاع البشر رؤيته لهول خِلقته، ولو تمثل في صورة رجل لقالوا: هذا رجل بشري، وعاد اللبس مجدداً؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}.
أكل الطعام والمشي في الأسواق مظهر كمال وتواضع نبوي شريف، يربط القائد بأمته ويجعله شاعراً بآلام الفقراء والضعفاء.
الاستفهام الإنكاري بـ {مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ}: يصور دهشة المتكبرين الذين عميت بصائرهم عن رؤية العظمة الروحية، وقاسوا النبوة بالمظاهر المادية البراقة.
النصب بأن المضمرة بعد فاء السببية في {فَيَكُونَ}: للدلالة على تمنيهم الباطل وشرطهم المتعنت للإيمان.
تدبر شرف التواضع النبوي: كيف كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم يخالط الناس في أسواقهم، ويجلس على الأرض، ويأكل كما يأكل العبد؛ مما ينسف كل مظاهر الكبر الزائف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير مفاهيم العظمة الحقيقية: تعليم الناس أن العظمة في نقاء الروح وحمل الحق وليست في حيازة الأموال وحراسة الحشم.
قدوة الداعية في مخالطة الناس: نزول المصلح والداعية إلى الميدان والأسواق ومخالطة الناس ومعايشة همومهم بدلاً من الانعزال في الأبراج العاجية.
العمل والكسب الشريف: إدراك أن المشي في الأسواق لطلب الرزق الحلال سنة الأنبياء والمرسلين ولا يقدح في المنزلة الدينية.