روى الطبري (ج19، ص373)مصدر غير محدد١٩/٣٧٣ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا}: "قال: صرّفنا المطر بينهم؛ فليس عام بأكثر مطراً من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء؛ يمطر قوماً ويحرم آخرين، ويزيده في أرض وينقصه في أخرى بحكمته، ليذكروا نعمة الله ويشكروه على فضله".
وروى عن مجاهد وقتادة وعكرمة قولاً آخر: "صرّفنا هذا القرآن والذكر الحكيم والمواعظ بين الناس في هذه السورة وسائر القرآن بالترغيب والترهيب وضرب الأمثال، ليذكروا ويتعظوا".
ورجح ابن كثير والقرطبي أن اللفظ يتناول المعنيين جميعاً بأعلى درجات البلاغة؛ فالله صرف المطر الحسي لإحياء الأبدان والأرض، وصرف القرآن المعنوي لإحياء القلوب والأرواح.
وقوله: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} قال ابن عباس: "هو كقول بعض الناس عند نزول المطر: مطرنا بنوء كذا وكذا! فينسبون النعمة إلى الأنواء والكواكب وينسون المنعم سبحانه، كما في حديث زيد بن خالد الجهني في صحيح البخاري: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر...)".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{صَرَّفْنَاهُ}: التصريف هو التحويل والتقليب والتنويع من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان.
{لِيَذَّكَّرُوا}: أصله ليتذكروا، فأدغمت التاء في الذال لقرب المخرج، والذكر هو الاتعاظ والتفكر وشكر النعمة.
{كُفُورًا}: جحوداً لنعمة الله ونكراناً لفضله، أو كفراً بالله ورسوله.
الإعراب:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام موطئة للقسم، قد حرف تحقيق.
{صَرَّفْنَاهُ}: صرف ماض مبني على السكون ونا فاعل والهاء مفعول به يعود على الماء أو المطر أو القرآن والذكر.
ثم جاءت هذه الآية لتبين علة تصريف هذه النعم: وهي {لِيَذَّكَّرُوا}؛ ليتذكر العباد فقرهم واحتياجهم لمولاهم ويشكروه.
ثم كشفت الآية الموقف البشري الجاحد المؤسف: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا}؛ ليظهر التناقض الصارخ بين كرم الخالق وعطائه المتجدد وبين لؤم الإنسان وجحوده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ظاهرة كفران النعم ونسبتها إلى الأسباب المادية:
تفضح الآية نمطاً فكرياً متكرراً عبر العصور: يتقلب الإنسان في نعم الله العظمى (الماء، الهواء، المطر، الضوء، تعاقب الفصول)، فبدلاً من أن يسجد لربه شاكراً، تراه ينسب هذه الخيرات إلى القوانين الصماء، أو إلى الأنواء وحركات النجوم، أو إلى ذكائه وتخطيطه المجرد؛ فينسى المسبب الحقيقي سبحانه ويجحد فضله؛ وهذا أصل الكفر والجحود الإنساني.
التعبير بـ {صَرَّفْنَاهُ}: يوحي بدقة التوزيع الإلهي؛ فهنا قطرة وهنا سحابة وهنا وادٍ يسيل وهنا أرض تجدب، في توزيع جغرافي وزمني معجز يحمل في طياته حكماً بالغة للمكلفين.
أسلوب الحصر بـ {فَأَبَىٰ... إِلَّا كُفُورًا}: لتصوير استماتة الأكثرية في الجحود؛ فكأنهم عُرضت عليهم كل أبواب الشكر فأبوا أن يدخلوا إلا من باب الكفران والشرك.
تدبر التلازم بين ماء السماء وماء الوحي: كلاهما غيث؛ هذا يحيي الأرض وهذا يحيي القلوب، وكلاهما صُرف بين العباد، وأعظم الخسران أن يحرم المرء من غيث القرآن فيموت قلبه كفوراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر النعم ونسبتها للمنعم وحده: تعليم المسلم أن يقول عند نزول الغيث: "مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته"، ونبذ كل نسبة للأسباب الشركية.
الحذر من الوقوع في كفران النعم: استشعار العبد لتقلب النعم من حوله ومقابلة الفضل بالحمد والاستغفار.
عدم الاغترار بكثرة المعرضين: التيقن بأن الكثرة في القرآن غالباً ما تقترن بنفي العلم والإيمان والشكر: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}.