روى الطبري (ج19، ص348)مصدر غير محدد١٩/٣٤٨ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}: "يعني فرعون وملأه وقومه من القبط؛ كذبوا بآيات الله التسع التي أرسل الله بها موسى واستكبروا في الأرض"، {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا}: "أي فلما ذهبا إليهم ودعواهم بالبينات فأصروا على كفرهم وعنادهم، أهلكناهم بالعذاب وأغرقنا فرعون وجنوده في اليم وأبادهم الله تدميراً مستأصلاً".
وقال ابن كثير: "طوى تعالى تفاصيل القصة هنا لدلالة السياق وشهرة الخبر، وانتقل فوراً من الأمر بالذهاب إلى نتيجة التكذيب وهي التدمير التام؛ لإفادة سرعة حلول العقوبة بالمكذبين وإنذار قريش بمثل مصيرهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَدَمَّرْنَاهُمْ}: التدمير الإهلاك التام المستأصل للشيء حتى لا يبقى منه أثر، مأخوذ من الدَّمَار وهو الهلاك.
الإعراب:
{فَقُلْنَا}: الفاء عاطفة، قلنا ماض وفاعله.
{اذْهَبَا}: فعل أمر مبني على حذف النون وألف الاثنين فاعل، والجملة مقول القول.
{إِلَى الْقَوْمِ}: جار ومجرور متعلق باذهبا.
{الَّذِينَ}: اسم موصول نعت للقوم في محل جر.
{كَذَّبُوا}: صلة الموصول لا محل لها.
{بِآيَاتِنَا}: متعلق بكذبوا ونا مضاف إليه.
{فَدَمَّرْنَاهُمْ}: الفاء عاطفة تفريعية فصيحة تطوي ما بين الإرسال والتدمير من أحداث، دمرنا ماض ونا فاعل والهاء مفعول به والميم للجمع.
{تَدْمِيرًا}: مفعول مطلق مؤكد منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيجاز القصر والإعجاز بالحذف: طوى القرآن الكريم كل تفاصيل الصراع الطويل بين موسى وفرعون (السحرة، العصا، الآيات التسع، خروج بني إسرائيل، انفلاق البحر)، وعطف التدمير مباشرة بالفاء على الأمر بالذهاب؛ ليعطي رسالة خاطفة وصادمة لقريش: أن مصير كل مكذب مستكبر هو التدمير الحتمي السريع مهما طال حلم الله عليه.
التوكيد بالمصدر {تَدْمِيرًا}: لبيان شمول الهلاك واستئصال شوكة فرعون ودولته العاتية حتى غرقوا جميعاً في لحظة واحدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سرعة السنن الإلهية عند انتهاء الأجل:
تبين الآية ناموساً عقلياً وتاريخياً: الأمم الطاغية قد تمنح مهلة زمنية للمراجعة والتوبة، ولكن إذا تمحض التكذيب وعاندت الحق بعد وضوح الآيات فإن نزول العقوبة يأتي كطرفة عين؛ فلا تغتر الدول العاتية بقوتها واستقرارها الظاهري، فإذا أذن الله بالتدمير انهار كل سلطانها في لمحة.