روى الطبري في جامع البيان (ج19، ص367)مصدر غير محدد١٩/٣٦٧ بسنده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا}: "أي جعله غشاءً يستركم بظلمته وسواده كما يستر الثوب اللباس لابسه"، {وَالنَّوْمَ سُبَاتًا}: قال ابن عباس وقتادة: "السبات هو القطع؛ قطع الحركة لراحة الأبدان وجمام النفوس وانقطاع التعب"، وقيل: السبات الموت الخفيف كقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ}.
وقوله: {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} قال مجاهد والضحاك: "ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومصالحهم وتجاراتهم، ويبعثون من نومتهم كأنهم نشروا من قبورهم، فالنوم وفاة صغرى واليقظة نشور مصغر يذكر بالبعث الأكبر".
وقال ابن كثير: "يمتن تعالى على عباده بما خلق لهم من الليل والنهار والتعاقب بين السكن والحركة، لتقوم مصالح أبدانهم ومعايشهم على أتم نظام".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لِبَاسًا}: ما يستر الجسد ويغطيه، واستعير لظلمة الليل لأنها تغطي الكون وتستر الأجسام.
{سُبَاتًا}: السَّبْت في اللغة القطع، والسُّبات هو النوم وقطع الحركة والنشاط للاستراحة، ومسبوت أي مقطوع الحركة.
{نُشُورًا}: الانتشار للحركة وطلب الرزق، وهو مصدر من نشر ينشر، ويطلق أيضاً على البعث بعد الموت.
الإعراب:
{وَهُوَ}: الواو استئنافية، هو ضمير منفصل مبتدأ.
{الَّذِي}: اسم موصول خبر المبتدأ والجملة مستأنفة.
{جَعَلَ}: ماض وفاعله مستتر والجملة صلة الموصول.
{لَكُمُ}: متعلق بجعل أو بمحذوف حال.
{اللَّيْلَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
{لِبَاسًا}: مفعول به ثان لجعل منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَالنَّوْمَ سُبَاتًا}: معطوفان على المفعولين الأول والثاني منصوبان.
{وَجَعَلَ}: عاطفة وماض وفاعله مستتر.
{النَّهَارَ}: مفعول به أول منصوب.
{نُشُورًا}: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا التناغم الكوني والنفسي والفسيولوجي! بعد أن عرض آية الظل والشمس الممتدة نهاراً، وازن المشهد بعرض آيتي الليل والنهار وتأثيرهما على الجسد والنشاط البشري.
المقابلة الثلاثية المتناظرة البديعة:
الليل (ستار وغطاء ساتر) في مقابل النهار (ضوء كاشف منتشر).
النوم (قطع للحركة واستراحة للأعضاء) في مقابل النشور (انبعاث للحركة وسعي في الأرض).
استحضار مشهد البعث والنشور الأخروي من خلال النشور الدنيوي المتجدد كل صباح.
تكرار الفعل {وَجَعَلَ}: لتجديد لفت الأنظار إلى عظمة الامتنان بنعمة النهار بعد نعمة الليل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الفسيولوجي والبيولوجي في دورة النوم واليقظة:
أثبتت أبحاث الطب العصبي والحيوي (الإيقاع الحيوي اليومي):
أن النوم في ظلمة الليل ليس مجرد خمول، بل هو عملية ترميم وقطع حيوي (سبات)؛ حيث تفرز الغدة الصنوبرية هرمون الميلاتونين في الظلام التام لترميم الخلايا، وضبط المناعة، وإعادة توازن الجهاز العصبي؛ فكان التعبير {لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} غاية في المطابقة لراحة البدن.
والنهار بنوره المحفز ينشط الدورة الدموية ويطلق هرمونات الطاقة للانتشار والسعي {نُشُورًا}؛ فلو اختل هذا التعاقب لانهارت صحة الإنسان العقلية والجسدية.
الاستعارة التصريحية في {لِبَاسًا}: تشبيه الظلام بالرداء الأسود السابغ الذي يلقيه الليل على الكون؛ ليحفظ الأسرار ويهيئ الأجواء للخلوة والراحة.
الجناس والارتقاء في لفظ {نُشُورًا}: يحمل معنى الانتشار للمعايش في الدنيا، ومعنى الاستدلال باليقظة بعد النوم على البعث بعد الموت؛ فكل صباح يمر به الإنسان هو برهان حسي على قدرة الله على إحياء الموتى.
تدبر الامتنان بـ {لَكُمُ}: تقديم شبه الجملة لبيان أن هذا النظام الكوني الباهر مسخر بالكامل لخدمة الإنسان ومنفعته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة النوم والعافية: استشعار فضل الله في منح الإنسان راحة السبات بعد كد النهار، وحرمان من ابتلي بالأرق والمرض منها.
تنظيم الأوقات وفق الفطرة الإلهية: جعل الليل للنوم والراحة والعبادة، وجعل النهار للسعي والعمل الجاد، وتجنب قلب الفطرة بالسهر المفرط والنوم نهاراً.
الاستعداد للنشور الأكبر: تذكر دعاء الاستيقاظ النبوي كل صباح: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".