روى الطبري (19/312)مصدر غير محدد١٩/٣١٢ عن مجاهد وقتادة والحسن: {خَالِدِينَ فِيهَا} أي مقيمين في تلك الغرفات والدرجات العلى إقامة أبدية لا تنقطع، ولا يموتون فيها ولا يخرجون منها ولا يبغون عنها حِولاً.
{حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}: قال ابن كثير (6/131)مصدر غير محدد٦/١٣١: "أي حسنت منظراً وطابت مقيلاً ومنزلاً؛ نقيض ما ذكره في حق الأشقياء في قوله: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}؛ فشتان بين من مقامه في سقر ومن مقامه في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر".
بين القرطبي (13/83)مصدر غير محدد١٣/٨٣: تمام النعيم في استقراره ودوامه وأمن زواله؛ فنعيم الدنيا ينغصه خوف زواله أو موت صاحبه، أما نعيم الغرفة فحسن مستقرها باق أبداً لا يزول ولا ينفد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{خَالِدِينَ}: حال منصوبة من الواو في "يُلقون" أو "يُجزون"، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم. والخلود: المكث الطويل الدائم الذي لا نهاية له.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ "خالدين"، والضمير للغرفة أو الجنة.
{حَسُنَتْ}: فعل ماض جامد لإنشاء المدح مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره هي، والجملة مستأنفة للمدح أو حال. والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: حسنت الغرفة مستقراً.
{مُسْتَقَرًّا}: تمييز منصوب بالفتحة يفسر الفاعل المستتر في "حسنت".
{وَمُقَامًا}: معطوف على مستقراً منصوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
المقابلة اللفظية والمعنوية الإعجازية التامة: مطابقة كاملة في المفردات ونقيضة تامة في المعنى مع الآية (66):
في جهنم: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}.
في الجنة: {حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}.
وهذا من أعظم أسرار الإعجاز النظمي في القرآن؛ حيث استعمل الألفاظ ذاتها للمستقر والمقام ليبرز الفارق المطلق بين القبح والجمال، والشقاء والنعيم.
استقرار النفس بضمان الخلود: تقديم {خَالِدِينَ فِيهَا}؛ لأن كمال حسن المكان لا يتحقق للنفس إلا إذا أيقنت بخلودها فيه وأمنها من الإخراج والتحول.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
انتفاء السأم والملل عن أهل الجنة في الخلود الأبدي:
قد يظن عقل الإنسان القاصر في الدنيا أن البقاء الدائم في مكان واحد يورث السأم والملل؛ لكن القرآن يدحض ذلك ببيان أن الجنة {حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} وأن نعيمها متجدد لا رتابة فيه، كما قال تعالى: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا}، فكل لحظة تمر على المؤمن في الجنة تكشف له من ألوان اللذة والقرب من الله ما يزيد شوقه وسعادته.
العدالة والفضل في توزيع المقامات:
هذا القرار الحسن والمنزل الكريم إنما نالوه بفضل الله وتوفيقه ومجازاة لصبرهم؛ مما يبرهن على أن وعد الله حق، وأن تجارة المؤمن مع ربه هي أربح التجارات عقلاً وحكمة.
أسلوب المدح بالفعل {حَسُنَتْ}: دلالة على بلوغ الغاية في الحسن والكمال والجمال في المنظر والجوهر.
التنكير في {مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}: للتعظيم المطلق والتفخيم؛ أي مستقراً حسناً يفوق كل ما خطر على قلب بشر.
الإيجاز بالحذف للمخصوص بالمدح: لإطلاق خيال المؤمن في تصور روائع تلك المنازل وقصورها وجنانها ونعيمها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشوق إلى جنات النعيم: ترطيب القلوب بذكر الجنة ومنازلها وحسن مستقرها، والاستعانة بذلك على تحمل مصاعب الدنيا وأكدارها.
إدراك زوال مستقر الدنيا الزائف: تذكر أن كل مستقر في الدنيا عابر زائل مليء بالمنغصات، فلا يركن العاقل إلى قصر مشيد ولا دنيا فانية، بل يجعل مقامه المنشود في الغرفة العلية.
العمل لدوام النعيم: المثابرة على الطاعات والبعد عن الشبهات والشهوات حتى يلقى المسلم ربه وهو راض عنه.