ختم الله سورة النور بهذا الإعلان الكوني المهيب؛ روى الطبري في تفسيره (ج19، ص276)مصدر غير محدد١٩/٢٧٦ بسنده عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: "خلقاً وملكاً وعبيداً، لا يخرج شيء من ملكه وتصرفه"، وقوله: {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ}: "أي قد أحاط علمه بما أنتم عليه من إيمان ونفاق، وصدق وكذب، وإخلاص ومكر؛ فلا يخفى عليه من ضمائركم وأفعالكم شيء".
وقوله: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي يوم القيامة حين يرد الخلائق إلى ربهم الحق، فيخبرهم بأعمالهم كلها جليلها ودقيقها ويوفيهم جزاءها بالعدل، وهو محيط بكل شيء علماً.
وقال ابن كثير: "تذييل ختامي عظيم يقرر أن المالك للكون كله هو الله، وأن العباد كلهم تحت رقابته وعلمه الأزلي، وسيرجعون إليه ليوفيهم أجورهم أو يعاقبهم على ذنوبهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَلَا}: أداة استفتاح وتنبيه تفيد الاهتمام والتحقيق لما بعدها.
{قَدْ}: حرف تحقيق لتوكيد إحاطة العلم الإلهي بما عليه العباد في الحاضر والمستقبل.
{بِمَا عَمِلُوا}: جار ومجرور وصلة ما في محل المفعول الثاني.
{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: الواو استئنافية، الله مبتدأ وبكل متعلق بعليم، وشيء مضاف إليه وعليم خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الخاتم الرصين لسورة النور! بدأت السورة بإعلان السيادة والتشريع الفارض: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}، وختمت بإعلان الملكية التامة والعلم المحيط والمصير الأخروي: {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ}.
الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ... وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ}؛ فيه إعراض عن الغافلين والمنافقين وتوجيه الحساب إليهم كغائبين محشورين بين يدي الملك الجبار.
إحاطة العلم الإلهي المزدوجة: بدأت بـ {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} (علم الواقع الحاضر)، وختمت بـ {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (العلم الكلي المستوعب المحيط لكل موجود ومعدوم).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شمول الرقابة والجزاء العادل:
تحسم خاتمة السورة القضية الكبرى في النفس الإنسانية: قد يستطيع المنافق أن يتسلل لواذاً من بين يدي القائد، وقد يستطيع الزاني أو القاذف أن يفر من عيون القضاة في الدنيا، ولكن هيهات أن يفر أحد من ملك الله وعلمه؛ فالأرض وما حوته ملك لله، وكل حركة وسكنة وضمير يعلمه الله، والمصير المحتوم هو العودة إليه لينبئ كل إنسان بما عمل؛ فلا مهرب ولا ملجأ من الله إلا إليه.
الاستفتاح بـ {أَلَا}: لإيقاظ الأسماع وتنبيه القلوب إلى الإعلان الإلهي الخاتم المهيب.
الحصر والتقديم: {إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ لقصر الملكية المطلقة عليه وحده ونفي أي شريك.
فيض التدبر الختامي: سورة النور بدأت بالنور، وسارت في دروب النور، واختتمت بالنور؛ نور الوحي والتشريع الذي يعصم المجتمعات من الفواحش ويهدي الإنسانية إلى صراط العزيز الحميد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مراقبة الله في السر والعلانية: استحضار أن الله يعلم أدق ما نحن عليه من أفكار ونوايا وخبايا.
الاستعداد ليوم الإنباء والحساب: التيقن بأن كل لفظ وفعل سيعرض على الله غداً، فليعد العبد للسؤال جواباً وللجواب صواباً.
التمسك بأحكام سورة النور: اعتبار العمل بهذه السورة صمام الأمان الفردي والمجتمعي لعفة الأمة وطهارتها واستحقاقها لوعد التمكين والاستخلاف.