قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: «لم يطمثهن: أي لم يمسسهن ولم يغشهن إنس قبلهن ولا جان، بل هن أبكار عذارى مقصورات لأزواجهن».
قال الطبري: «والطمث في لغة العرب هو النكاح بالتدمية والمجامعة أول مرة».
قال الحافظ ابن كثير: «وهذا دليل صريح على أن الجان يدخلون الجنة، وفيهم مؤمنون يتزوجون وينعمون كما ينعم الإنس».
قال القرطبي: «فيه دليل على أن مؤمني الجن يثابون بالجنات والحور، ولهم أزواج من جنسهم لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَمْ}: حرف نفي وجزم وقلب.
{يَطْمِثْهُنَّ}: فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والنون حرف دال على جمع الإناث.
طَمَثَ يَطْمِثُ (من باب ضرب) وطَمَثَ يَطْمُثُ (من باب نصر)؛ قراءتان سبعيتان معروفتان، قرأ الكسائي بضم الميم {يَطْمُثْهُنَّ} وقرأ الباقون بكسرها {يَطْمِثْهُنَّ}.
{إِنسٌ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{قَبْلَهُمْ}: ظرف زمان منصوب وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع، متعلق بيطمث.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا نافية مؤكدة لاستغراق النفي.
{جَانٌّ}: معطوف على إنس مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. والجملة الفعلية في محل رفع نعت ثان لحور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار نفي الطمث في الجنتين:
ذكر نفي الطمث في الآية (٥٦) لنساء الجنتين الأوليين: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}.
وأعاده هنا في الآية (٧٤) لنساء الجنتين الأخريين: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}.
وفائدة هذا التكرار: النص على أن هذه المزية العظمى - وهي الطهارة الكاملة والبكارة الدائمة التي لا تزول - ثابتة لكل زوجات أهل الجنة، سواء في ذلك المقربون وأصحاب اليمين، لتكتمل لذة كل مؤمن بحبيبته وأنسه بها دون شائبة شريك أو سابق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المسألة العقدية في جزاء مؤمني الجن:
الآية حجة قاطعة عند أهل السنة والجماعة على أن مؤمني الجن يدخلون الجنة ويثابون على طاعاتهم، ولهم أزواج من نوعهم؛ إذ لو كانوا لا يدخلون الجنة ولا ينعمون بالنساء لما كان لقوله {وَلَا جَانٌّ} معنى وفائدة في مقام الامتنان على الثقلين.
كمال الطهارة في الجنة:
لا حيض في الجنة ولا نفاس ولا أذى، فنساء الجنة مطهرات تطهيراً تاماً روحاً وجسداً؛ كما قال تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}.
استغراق النفي لكل زمان سابق يؤكد أن تلك الحور خلقن خصيصاً لهؤلاء المؤمنين، لم تقع عليهن عين، ولم يمسهن أحد قبله، مما يجعل الزوج يشعر بالخصوصية والاصطفاء التام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة الأعراض في الدنيا ثمرتها البكارة والخلود في الآخرة:
من عف في الدنيا عن الحرام وغض بصره وحفظ فرجه متعه الله بالطيبات والأبكار الحسان في دار النعيم الأبدي.