تنتقل الآية الكريمة لتصف شريان الحياة والجمال في هاتين الجنتين؛ وهو العيون المائية العذبة الجارية بالسلسال والسلسبيل بين الأشجار والأفنان.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٣٣)مصدر غير محدد٢٣/٣٣ عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة في قوله: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ}: قال: عينان سارحتان متدفقتان تجريان بالكرامة والماء العذب من غير أخدود؛ إحداهما: عين التسنيم (وهو أشرف شراب أهل الجنة)، والأخرى: عين الكافور أو الزنجبيل؛ تجريان في بساتين الجنة وقصورها وغرفها حيث شاء أصحابها.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٧٢)مصدر غير محدد٧/٤٧٢: أي تنبعان بالماء الزلال العذب الصافي، وتسيران في خلال تلك الأفنان والأشجار لتسقيها، ويشرب منها أولياء الله المقربون شرباً هنيئاً مريئاً؛ وعيون الجنة تجري بقدرة الله على وجه الأرض بغير حفر ولا أخدود، يوجهها المؤمن بإشارته وأمره حيث يشاء.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣٤)مصدر غير محدد١٧/١٣٤: الجريان صفة مدح وكمال؛ فالماء الجاري أصفى وأعذب وأبهج للنفس من الماء الراكد؛ وخص الجنتين بهاتين العينين الجاريتين؛ بينما قال في الجنتين اللتين دونهما: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ}، والجريان أبلغ وأعلى درجة من النضخ؛ فدل على فضل هاتين الجنتين ورفعة منزلتهما.
وفي التحرير والتنوير: الجمع بين الظلال الوارفة (ذواتا أفنان) والماء الجاري (عينان تجريان) هو غاية ما تشتهيه النفوس في النزهة والراحة؛ فالخضرة مع الماء المتدفق يبعثان في النفس سكينة لا يدانيها شيء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فِيهِمَا}: في حرف جر، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر بفي، والميم والألف للتثنية يعود على الجنتين، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{عَيْنَانِ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ والعين ينبوع الماء النابع من الأرض.
{تَجْرِيَانِ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل يعود على العينين؛ والجملة الفعلية في محل رفع نعت لعينان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع التقارن البديع بين الأفنان والعيون!
بدأت بالأفنان والأشجار المورقة في الآية (٤٨).
ثم شفعتها بالعيون الجارية في الآية (٥٠)؛ لأن الشجر لا قوام له ولا نضارة إلا بالماء.
ثم ستتبع ذلك بذكر الثمار المتولدة من هذا الشجر والماء في الآية (٥٢): {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ}.
هذا التسلسل الطبيعي البديع (الشجر -> الماء -> الثمر) يمثل ذروة الإحكام العقلي والجمالي في كتاب الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
جريان ماء الجنة بغير أخدود:
في الدنيا تجري الأنهار في شقوق ومنخفضات أرضية محفورة بفعل الجاذبية، وإن خرجت عن أخدودها أفسدت وغرقت.
أما في الجنة فالماء يجري على سطح البساتين والمسك واللؤلؤ بغير أخدود، منقاداً لإرادة المؤمن ورغبته دون أن يفيض بما يؤذي؛ وهذا مظهر من مظاهر خوارق القدرة الإلهية التي لا تقاس بقوانين دار الابتلاء.
سر تفضيل هاتين العينين: التعبير بالفعل {تَجْرِيَانِ} يدل على فيض لا ينقطع وسرعة في التدفق وسعة في المسار؛ مما يجعلهما أرقى من النضاختين في المرتبة التالية.
تنكير {عَيْنَانِ}: للتعظيم والتفخيم؛ أي عينان عظيمتان لا يقادر قدر عذوبتهما وصفائهما وجمال خريرهما.
التعبير بالمضارع {تَجْرِيَانِ}: لاستحضار التدفق الدائم والحركة الحية المستمرة التي تضفي على الجنة حيوية وسروراً.
الإشارة التدبرية: من فجر في دنياه عينين جارتين من خشية الله بالدموع في الأسحار، والصدقة الجارية للمحتاجين؛ فجر الله له في جنته عينين تجريان بالرحمة والكرامة والخلود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الماء والعيون في الدنيا: تذكر فضل الله في إنباع العيون وإجراء الأنهار؛ فالماء أصل الحياة وعصب النماء.
التنافس في حفر الآبار وسقيا الماء: العمل بوصية النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ سَقْيُ المَاءِ» (سنن أبي داود: ١٦٧٩)؛ ليكون للعبد سهم في العيون الجارية.
الشوق إلى شراب أهل الجنة: عفة النفس عن الخمور والمحرمات الدنيوية؛ ليحظى العبد بالشرب من عيون الجنة النقية.