تنتقل السورة الكريمة إلى عالم البحار والمحيطات، مبرزة آية هيدرولوجية مائية عجيبة في تلاقي الكتل المائية الضخمة وتجاورها دون أن تختل خصائصها.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ١٥)مصدر غير محدد٢٣/١٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ}: قال: مرج: أرسلهما وخلاهما وأفاض أحدهما إلى الآخر حتى التقيا وتماست مياههما؛ والبحران: بحر السماء وبحر الأرض، وقيل: بحر فارس وبحر الروم (الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط)، وقيل: بحر الماء العذب (كالأنهار العظيمة كالنيل والفرات وسيحون وجيحون) وبحر الماء الملح الأجاج (المحيطات والبحار المالحة).
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٥)مصدر غير محدد٧/٤٦٥: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أي أرسلهما وجعلهما متجاورين متلاقيين؛ وهما المالح والعذب، فالمالح هو هذه البحار والمحيطات العظيمة، والعذب هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس، يلتقيان في المصاب والأخوار ولا يفسد المالح العذب ولا يغير العذب المالح.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٠)مصدر غير محدد١٧/١٢٠: مرج في اللغة: أرسل وخلط وترك؛ يقال: مرج الدابة إذا أرسلها ترعى في المرج؛ ومرج البحرين: أرسلهما يتجاوران ويلتقيان ظاهراً للعيان؛ وقيل: هما بحران يلتقيان في أطراف الأرض، أحدهما مالح والآخر عذب، أو بحران مالحان يتفاوتان في الملوحة والكثافة وتلتقي أمواجهما.
وفي التحرير والتنوير: المرج هنا إرسال مياه البحار مع حفظ حدودها، وهو مظهر باهر من مظاهر القدرة الإلهية التي سخرت الماء السيال ليحفظ حدوده بخصائصه الطبيعية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَرَجَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على {الرَّحْمَٰنُ}.
ومادة (م ر ج) في المعجم تدل على الإرسال، والخلط، والاضطراب والتموج؛ ومنه المَرْج لأرض النبات التي ترسل فيها الدواب.
{الْبَحْرَيْنِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
{يَلْتَقِيَانِ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل؛ والجملة الفعلية في محل نصب حال من البحرين (أي مرجهما حال كونهما متلاقيين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال من مجاري الفلك والأجرام السماوية إلى مجاري المياه والأمواج البحرية!
في الآية (١٧) ذكر {الْمَشْرِقَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ} في الفضاء العلوي.
وهنا في الآية (١٩) يذكر {الْبَحْرَيْنِ} في العالم المائي السفلي.
وتستمر التثنية المحكمة في النظم؛ لبيان أن يد القدرة التي تدبر أفلاك السماء هي ذاتها التي تضبط مسارات المياه في الأرض.
التمهيد لبيان الحاجز الخفي في الآية التالية: أثبت اللقاء أولاً {يَلْتَقِيَانِ}، ليكون وجود الحاجز بعد ذلك أعجب وأعظم في الدلالة على الإعجاز: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز العلمي المعاصر في علوم البحار (ظاهرة الجبهة المائية البرزخية):
السائلان إذا التقيا في حوض واحد أو مجرى طبيعي فالمعهود في الفيزياء أن يمتزجا ويصيرا خليطاً واحداً متجانساً.
ولكن القرآن الكريم أثبت أن البحرين يلتقيان تلاقياً مباشراً بالأمواج، ومع ذلك لا يمتزجان امتزاجاً يذهب بخصائص أحدهما!
وأثبتت أبحاث علوم المحيطات الحديثة بواسطة الأقمار الصناعية ومجسات قياس الملوحة والحرارة والكثافة؛ أن هناك ما يسمى بـ «الجبهة المائية» (الحاجز البرزخي المائي) بين البحار المتجاورة (كمضيق جبل طارق بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ومضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن)، وكذلك عند مصبات الأنهار في البحار؛ حيث يحافظ كل بحر على كثافته وملوحته وحرارته وأحيائه المائية بفضل هذا البرزخ الطبيعي المعجز.
فمن أخبر النبي الأمي محمد ﷺ في قلب صحراء مكة بهذه الحقيقة البحرية الدقيقة قبل ألف وأربعمائة عام إلا الرحمن علام الغيوب؟
اختيار لفظ {مَرَجَ}: لفظ يوحي بالسيولة والحرية والحركة والتموج المائي المتدافع؛ ومع ذلك فهو محكوم بأمر الله.
التعبير بالفعل المضارع {يَلْتَقِيَانِ}: لاستحضار الصورة الحية؛ فكأن القارئ يرى الأمواج تتلاقى وتتدافع حية أمام ناظريه على مدار الزمان.
الإشارة التدبرية: إذا كان الله قد حفظ ماء البحرين من التعدي والاضطراب مع تلاقيهما المستمر، فهو سبحانه القادر على حفظ قلب المؤمن ودينه من أن تطغى عليه أمواج الفتن والشبهات ما دام معتصماً بحبل ربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توظيف حقائق الكون في الدعوة إلى الله: استخدام الإعجاز القرآني في علوم البحار كبرهان علمي مقنع للملحدين والباحثين عن الحق في هذا العصر.
التفكر في ثروات البحار وعظمتها: استشعار نعم الله المائية التي تغطي أكثر من سبعين بالمائة من كوكب الأرض وتضبط توازنه المناخي.
الأدب عند ركوب البحر أو النظر إليه: استحضار عظمة خالقه، والتعوذ بالله من غضبه وأهواله، وتوحيد الله مخلصين له الدين.