تفيض الآية الكريمة بوصف الجمال الحسي والبهاء الشكلي لقاصرات الطرف في الجنتين الأوليين؛ حيث يجمع الله لهن بين صفاء الياقوت ونقائه، وبياض المرجان وإشراقه ولطف حمرته.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٣، ص ٣٧)مصدر غير محدد٢٣/٣٧ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ المَرْأَةَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ لَيُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ، حَتَّى يُرَى مُخُّهَا، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ}، فَأَمَّا اليَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْتَ فِيهِ سِلْكًا ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْتَهُ مِنْ وَرَائِهِ».
وروى أيضاً عن ابن عباس وقتادة والحسن والضحاك: كأنهن في صفاء الياقوت وبياض المرجان ولونه؛ فالياقوت نقي مصفى شفاف يتلألأ نوراً، والمرجان أبيض ناصع ذو حمرة لطيفة بهيجة؛ فجمع لهن بين صفاء الجوهر وحسن البشرة وإشراق الوجه.
وروى الإمام أحمد والترمذي (حديث رقم ٢٥٣٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٣٢ وصححه عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٣٦)مصدر غير محدد١٧/١٣٦: الياقوت حجر كريم شفاف براق، والمرجان الدر واللؤلؤ الأبيض الصافي أو الخرز الأحمر المشرق؛ فشبههن في النقاء والصفاء بالياقوت، وفي بياض الحمرة وحسن المنظر بالمرجان؛ فليس في بشرتهن شحوب ولا كدر، بل نضارة تخطف الأبصار.
وفي التحرير والتنوير: هذا التشبيه استعملت فيه أبهى الجواهر الأرضية التي عرفها الإنسان تقريباً للمشهد؛ وإلا فجمال الحور في الجنة يعلو على كل ما في الدنيا من جواهر وأثمان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَأَنَّهُنَّ}: كأن حرف تشبيه ونصب وتوكيد من أخوات إن، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسم كأن والنون علامة جمع النسوة، ويعود على قاصرات الطرف.
{الْيَاقُوتُ}: خبر كأن مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ والياقوت حجر كريم صلب شفاف ذو ألوان نيرة أعلاها الأحمر والأزرق.
{وَالْمَرْجَانُ}: الواو حرف عطف، المرجان معطوف على الياقوت مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وهو الجوهر البحري الأبيض أو الأحمر المشرق. والجملة مستأنفة أو في محل رفع نعت ثالث لقاصرات الطرف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم التناسب البديع مع مطلع السورة!
في الآية (٢٢) امتن الله على الثقلين في الدنيا باستخراج الجواهر: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}.
وهنا في الآية (٥٨) يجعل هذا المرجان والياقوت تشبيهاً لحسن نساء الجنة: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ}!
فيتصل جمال الدنيا بجمال الآخرة؛ ليعلم المؤمن أن ما زينه الله في الأرض من أحجار كريمة إنما هو نموذج مصغر ونموذج تقريبي لجمال الحور والنعيم المقيم في الجنان العالية.
الجمع بين الياقوت والمرجان: الجمع بين الشفافية والصفاء الداخلي (الياقوت) والنضارة والبياض والحمرة الخارجية (المرجان).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة التشبيه بالجواهر وتنزيهه عن الجمود:
التشبيه بالياقوت والمرجان تشبيه في الصفاء والنقاء والإشراق واللون الباهر، لا في القساوة والجمود؛ فالمرأة هناك كائن حي نابض بالرقة والنعومة واللطف والدفء والغنج، ولكن جلدها وبشرتها في نقاء وشفافية الجواهر الكريمة الخالصة من أي شائبة.
دوام الجمال والشباب: نساء الجنة لا يهتصر جمالهن كبر، ولا يغير حسنهن حمل ولا ولادة ولا مشقة؛ بل يزداد حسنهن وجمالهن على مر الأبد كما في الحديث الصحيح: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ... فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، وَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا» (صحيح مسلم: ٢٨٣٣).
التشبيه البليغ المركب في {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ}: استعارة صفات الكمال الجمالي؛ فالياقوت لصفاء اللون والشفافية، والمرجان للبياض المشرب بالحمرة الزكية؛ وهو أبهى ما ترجوه الأبصار في جمال النساء.
الإشارة التدبرية: الجوهر الثمين في الدنيا يصان في الصناديق المخملية ويحفظ عن أعين المتطفلين؛ فكذلك المرأة المسلمة درة مصونة بالحجاب والعفة في الدنيا، لتكون غداً ياقوتة ومرجانة تتلألأ في قصور الجنان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعميق محبة الآخرة والشوق إلى لقاء الله: أن تلهج ألسنة المؤمنين بالدعاء لنيل هذا النعيم الذي لا يدانيه نعيم دنيوي.
الرضا بما قسم الله في الدنيا: الصبر على نقص الملاذ العابرة في دار الفناء؛ فإن عوض الله في دار الخلود يفوق كل خيال.
السعي في تزيين البواطن قبل الظواهر: العناية بطهارة القلب والإخلاص؛ فبقدر صفاء قلبك من الشرك والغل في الدنيا، يكون صفاؤك ونورك كالياقوت والمرجان في الآخرة.