تنتقل الآية الكريمة لبيان ما أودعه الله في أعماق هذه البحار من الثروات النفيسة والجواهر الكريمة والحلية التي يتزين بها الناس وتتخذ أثماناً وأموالاً للتجارة.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ١٧)مصدر غير محدد٢٣/١٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك في قوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}: قال: اللؤلؤ: كبار الدر وعظامه الصافية النيرة؛ والمرجان: صغار الدر، وقيل: المرجان هو الخرز الأحمر الثمين والحجارة الحمراء النفيسة التي تخرج من قاع البحر كالشجر؛ وروي عن قتادة: يخرج اللؤلؤ من المالح ولا يخرج من العذب، ولكن لما التقى المالح بالعذب عُدّ خروجه منهما جميعاً؛ كقوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} والرسل من الإنس خاصة.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٦)مصدر غير محدد٧/٤٦٦: اللؤلؤ معروف وهو الدر الأبيض الثمين الذي يتكون في أصداف المحار؛ والمرجان هو هذا الجوهر الأحمر البديع الصافي؛ وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء: {يَخْرُجُ} مبنياً للفاعل؛ وقرأ أبو جعفر وشيبة ورويس عن يعقوب بضم الياء وفتح الراء: {يُخْرَجُ} مبنياً لما لم يسم فاعله.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٢٢)مصدر غير محدد١٧/١٢٢: أضاف الخروج إليهما جميعاً {مِنْهُمَا} وإن كان يخرج من المالح في قول الأكثرين، لأن التقاءهما ومصابة أحدهما في الآخر سبب في تكون الدر واللؤلؤ ونموه؛ وقيل: بل يخرج اللؤلؤ من بعض الأنهار والبحيرات العذبة أيضاً، كما ثبت في مشاهدات الجغرافيين قديماً وحديثاً في بعض مصاب الأنهار العذبة؛ فالخروج منهما حقيقة على ظاهرها.
وفي التحرير والتنوير: الامتنان بنعمة الزينة والجمال؛ ليعلم الإنسان أن ربه لم يقتصر في رزقه على ضروريات القوت لسد الجوع، بل متعه بالجمال والحلي والجواهر الفاخرة إكراماً وإيناساً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَخْرُجُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة (على قراءة الجمهور بالبناء للمعلوم).
{مِنْهُمَا}: من حرف جر، والهاء ضمير متصل في محل جر بمن، والميم والألف للتثنية، والجار والمجرور متعلق بالفعل يخرج.
{اللُّؤْلُؤُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة (أو نائب فاعل على قراءة البناء للمجهول {يُخْرَجُ})؛ واللؤلؤ الدر، مهموز الفاء والعين واللام، وتسهل همزاته للتخفيف.
{وَالْمَرْجَانُ}: الواو حرف عطف، المرجان معطوف على اللؤلؤ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وهو جوهر أحمر يتكون في قاع البحار كالشعب المرجانية الصلبة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع الانتقال في درجات النعم في السورة!
الآيات السابقة ذكرت نعم البقاء الأساسية: الماء العذب والمالح وحفظ الحياة.
ليدرك العبد أن الرحمن غمره بنعم الضرورة، ونعم الحاجة، ونعم الزينة والكمال.
التناسق اللفظي في التثنية: ذكر اللؤلؤ والمرجان بصيغة الزوجين الجميلين المتكاملين؛ كما سيأتي وصف نساء الجنة في السورة ذاتها: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ}! فيتحد جمال الدنيا بنعيم الآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
توجيه قوله {يَخْرُجُ مِنْهُمَا} مع كون اللؤلؤ يستخرج من البحار المالحة غالباً:
أثبتت الدراسات البيئية والبحرية الحديثة أن جودة المحار وتكون اللؤلؤ الطبيعي وتكاثر الشعب المرجانية يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببيئات مصبات الأنهار ومناطق التقاء المياه العذبة بالمالحة؛ حيث تحمل الأنهار الطمي والسيليكا والمعادن والغذاء العضوي اللازم لنمو الأصداف وحيوان المرجان؛ فلو انعدم لقاء العذب بالمالح لقلت الجواهر وفسدت بيئتها؛ فصحت إضافة الخروج إليهما حقيقة علمية بديعة.
فضلاً عن وجود أنواع من محار اللؤلؤ تعيش وتفرز اللؤلؤ في المياه العذبة في بعض أنهار العالم.
دحض وهم تحريم الزينة: الآية تمتن باستخراج الحلي، فتدل على إباحة التزين باللؤلؤ والمرجان للمرأة واتخاذها زينة وتجارة مباحة شرعاً.
الجمع بين اللؤلؤ (الأبيض النير) والمرجان (الأحمر القاني): طباق لوني بديع يجمع بين أبهى ألوان الجواهر الطبيعية في أعماق البحار المظلمة.
الإشارة التدبرية: هذا الجوهر الثمين النقي (اللؤلؤ) يتكون داخل صدفة صامتة في قاع بحر متلاطم مظلم؛ فمن صوره ورعاه حتى صار درة يتنافس عليها الملوك إلا الرحمن؟ فكذلك يربي الله عبده المؤمن بالبلاء في ظلمات الدنيا ليخرج يوم القيامة درة بيضاء نقية تتلألأ في الجنان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الحلية والتجارة البحرية: استشعار فضل الله الذي جعل في البحار منافع اقتصادية وتجارية عظيمة تدعم معايش الأمم والشعوب.
اعتدال النفس في الزينة: الاستمتاع بما أحل الله من الحلي واللباس الحسن دون إسراف ولا مخيلة؛ فالجمال مقصد من مقاصد الشريعة: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ» (صحيح مسلم: ٩١).
المقارنة بنعيم الجنة: تذكر أن لؤلؤ الدنيا ومرجانها يكسر ويبلى ويزول؛ أما خيام الجنة وحليها فهي من لؤلؤ مجوف دائم لا يفنى.