تأتي هذه الآية الكريمة لتعلن عن أعظم نعمة أفاضها الرحمن على الوجود الإنساني؛ وهي نعمة تنزيل القرآن الكريم وتعليمه وبيانه.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ٢)مصدر غير محدد٢٣/٢ عن قتادة والحسن في قوله: {عَلَّمَ الْقُرْآنَ}: قال: علمه محمداً ﷺ، ويسره بلسانه، وعلمه للعباد رحمة بهم ونجاة لهم من ظلمات الجهل والشرك إلى نور الهداية والإيمان.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٦١)مصدر غير محدد٧/٤٦١: أي يسر تلاوته وحفظه وفهمه وتدبره على من أراد من عباده، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}؛ فكان أعظم مظهر لرحمة الرحمن هو تعليمه هذا الكتاب المعجز الذي به تحيا القلوب وتصلح الدار الآخرة والدنيا.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١١)مصدر غير محدد١٧/١١١: قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان لأنه أعظم النعم قدراً؛ فالقرآن هو الروح التي بها حياة الأرواح، كما قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا}؛ فخلق الإنسان نعمة إيجاد، وتعليم القرآن نعمة هداية وإمداد، ونعمة الدين والروح مقدمة على نعمة الطين والجسد.
وفي التحرير والتنوير: إسناد التعليم إلى الرحمن يدل على شرف المعلم والمعلَّم؛ فالقرآن كلام الله وتنزيله، ليس من وضع بشر ولا من إملاء شيطان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَلَّمَ}: فعل ماض مبني على الفتح يفيد التكثير والمبالغة في التعليم؛ والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على {الرَّحْمَٰنُ}.
{الْقُرْآنَ}: مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والمفعول الأول محذوف لقصد التعميم (تقديره: علّم الإنسانَ القرآن، أو علّم النبيَّ وأمته القرآن).
والجملة الفعلية من الفعل والفاعل والمفعولين في محل رفع خبر للمبتدأ {الرَّحْمَٰنُ}.
القرآن: مصدر على وزن فعلان من قرأ، غلب على كلام الله المنزل المعجز المتعبد بتلاوته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان في الآية التالية {خَلَقَ الْإِنسَانَ}!
في الترتيب الزماني الواقعي: خلق الإنسان أولاً ثم نزل القرآن وعُلِّم له.
ولكن في الترتيب الرتبي القيمي والشرفي: تعليم القرآن هو الغاية والعلة الغائية من خلق الإنسان؛ إذ لولا القرآن والشرائع لكان الإنسان كالبهائم لا قيمة لوجوده!
فقدمت النعمة الغائية الكبرى؛ ليعلم الإنسان أن قيمته الحقيقية وكرامته عند ربه إنما هي بحظه من القرآن وتلقيه عن الرحمن.
الاتصال مع سورة القمر: في القمر تكررت لازمة: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ}؛ فناسب أن تفتتح سورة الرحمن ببيان من الذي يسره وعلمه؛ وهو {الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على افتراءات المشركين في مصدر القرآن:
زعم كفار مكة أن النبي ﷺ تعلم القرآن من بشر، فقالوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}، وقالوا: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.
فجاء الرد القرآني حاسماً قاطعاً: المعلم ليس بشراً، بل المعلم هو {الرَّحْمَٰنُ} جل جلاله؛ تنزيلاً من حكيم حميد.
دفع توهم التناقض الزماني: تقديم التعليم في الذكر لا يعني سبقه في الإيجاد الحسي، بل تقديم الاهتمام بالشرف؛ فالأهم يقدم على المهم في البلاغة القرآنية المعجزة.
حذف المفعول الأول: {عَلَّمَ [عباده / محمداً] الْقُرْآنَ}: بلاغة الحذف هنا تفيد إطلاق الفضل؛ فالرحمن يعلم القرآن لرسله، ويعلمه لملائكته، ويعلمه لعباده المؤمنين عبر الأجيال والقرون، فباب التعليم مفتوح لكل طالب حق.
صيغة التفعيل (عَلَّمَ): تدل على التدرج والتمكين والترسيخ؛ فالقرآن نزل منجماً وعُلم شيئاً فشيئاً ليثبت في الصدور.
الإشارة التدبرية: من أراد أن ينال من رحمة الرحمن أوفر الحظ والنصيب، فعليه بالقرآن تلاوة وتعلماً وتدبراً وعملاً؛ فبقدر حظك من القرآن يكون حظك من رحمة الرحمن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرف تعلم القرآن وتعليمه: الاستمساك بحديث النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (صحيح البخاري: ٥٠٢٧)؛ وجعل مدارسة الوحي رأس الأولويات التربوية.
الأدب عند تلاوة القرآن: استشعار أنك تتعلم كلام الرحمن وتناجيه؛ مما يقتضي الخشوع والسكينة وحضور القلب وتطهير اللسان.
الشكر العملي على نعمة الوحي: ترجمة آيات القرآن إلى أخلاق حية وسلوك مستقيم ورحمة تسري بين الناس.