يرتقي السياق القرآني مجدداً إلى الآفاق الفلكية والجهات الكونية العظمى، مبرزاً كمال الربوبية والهيمنة التامة على حركة الأجرام وفصول السنة ومشارق الأرض ومغاربها.
روى الطبري (ج ٢٣، ص ١٣)مصدر غير محدد٢٣/١٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ}: قال: مشرق الشمس في الصيف، ومشرقها في الشتاء؛ ومغربها في الصيف، ومغربها في الشتاء؛ تطلع الشمس في أقصى نقطة في الصيف وأقصى نقطة في الشتاء، وبينهما مائة وثمانون برجاً ومطلعاً.
وروى أيضاً عن مجاهد وقتادة: المشرقان: مشرق الشمس ومشرق القمر؛ والمغربان: مغرب الشمس ومغرب القمر.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٦٥)مصدر غير محدد٧/٤٦٥: يعني مشرقي الصيف والشتاء، ومغربي الصيف والشتاء؛ وبينهما مدارات تختلف فيها مطالع الشمس ومغاربها يوماً فيوماً، مما يترتب عليه اختلاف الليل والنهار، وتباين الفصول الأربعة، وتنوع المنافع والأقوات والمناخ؛ كما قال تعالى في موضع آخر بصيغة الجمع: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ}، وقال بالإفراد: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١١٩)مصدر غير محدد١٧/١١٩: الجمع بين الآيات في الإفراد والتثنية والجمع:
والتثنية: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ}؛ يراد به أقصى مطلعي الصيف والشتاء وأقصى مغربيهما، أو مشرق الشمس والقمر.
والجمع: {بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ}؛ يراد به مطالع الشمس لكل يوم من أيام السنة (٣٦٠ مطلعاً ومغرباً).
وفي التحرير والتنوير: إيثار صيغة التثنية هنا لمناسبة سياق السورة المبني على التثنية في خطاب الثقلين والزوجين المتقابلين؛ فجاءت التثنية في الجهات متطابقة مع النظم الإعجازي العام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{رَبُّ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو ربُّ المشرقين)، مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف. وقيل: هو بدل من الضمير في خلق أو نعت لمفهوم الرحمن.
{الْمَشْرِقَيْنِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد؛ والمشرق اسم مكان الشروق وموضع طلوع الشمس.
{وَرَبُّ}: الواو حرف عطف، رب معطوف على رب الأولى مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الْمَغْرِبَيْنِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء لأنه مثنى؛ والمغرب موضع غروب الشمس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ثم ستذكر البحرين والبرزخ، واللؤلؤ والمرجان، والجنتين والجنتين!
هذا الطابع التثنوي المهيب يضفي على السورة وحدة بنائية مذهلة تجمع بين جمال الإيقاع الصوتي وعمق الدلالة الكونية والشرعية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الفلكي وحركة ميلان محور الأرض:
اختلاف مطالع الشمس ومغاربها بين الصيف والشتاء ناتج عن ميلان محور دوران الأرض بزاوية (٢٣.٥ درجة) أثناء دورانها حول الشمس.
هذا الميلان المتقن هو المسؤول الوحيد عن تعاقب الفصول الأربعة، وتفاوت أطوال الليل والنهار، وتوزيع درجات الحرارة والأمطار التي بدونها تنعدم الحياة الزراعية على الكوكب.
فالنص القرآني على {الْمَشْرِقَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ} قبل اكتشاف الفلك الحديث إشارة علمية قطعية إلى هذا النظام المداري المحكم.
دفع توهم التعارض بين نصوص المشارق والمغارب: تبين بما لا يدع مجالاً للشك أن نصوص القرآن تتكامل تكاملاً رياضياً دقيقاً؛ بين الجنس العام (الإفراد)، والانقلابين الصيفي والشتوي (التثنية)، والمطالع اليومية الدقيقة (الجمع).
تكرار كلمة {وَرَبُّ}: لم يقل (رب المشرقين والمغربين)، بل كرر {وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} لإعطاء كل طرف استقلاله بالعظمة والتدبير والإنعام.
الإشارة التدبرية: رب المشارق والمغارب الذي يحول الكون من زمهرير الشتاء إلى دفء الصيف، ومن حر القيظ إلى اعتدال الخريف، قادر على أن يحول حال قلبك من الحزن إلى الفرح، ومن الضيق إلى الفرج؛ فلا تقنط وربك رب المشرقين والمغربين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اتساع الأفق والتحرر من ضيق النظرة الإقليمية: إدراك أن ملك الله واسع ومشارقه ومغاربه تدل على ألوهيته المطلقة؛ مما يملأ النفس عزة برب الكون.
شكر نعمة الفصول والأقوات المتجددة: الحمد لله على تنوع الثمار والأغذية باختلاف الفصول، واليقين بأن رزق الله لا ينقطع صيفاً ولا شتاءً.
التوجه إلى الله في كل حين: إحياء مطالع الأيام ومغاربها بالأذكار المشروعة؛ كأذكار الصباح وأذكار المساء التي تربط العبد برب المشرق والمغرب.