قال ابن عباس رضي الله عنهما: «{مُدْهَامَّتَانِ} أي خضراوان من الري، تضربان إلى السواد من شدة الخضرة».
وروى الطبري وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد قالوا: «أدهامتا من الخضرة، وذلك أن الخضرة إذا اشتدت ورَوِيَتْ ضَرَبَتْ إلى السواد، ولا يقال للشيء أدهم حتى يسود أو يكاد».
قال الحافظ ابن كثير: «أي قد اسودتا من شدة الخضرة لكثرة الري؛ فالعرب تطلق الدهمة على شدة الخضرة لتراكم الأشجار وريها الدائم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُدْهَامَّتَانِ}:
إعرابها: نعت لـ{جَنَّتَانِ} في الآية (٦٢) مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في المفرد.
الصرف والاشتقاق: اسم فاعل من الفعل الخماسي المضعف (ادهامَّ يدهامُّ ادهماماً)، على وزن (مُفْعَالَّتَانِ)؛ وأصله من (الدهمة)، وهي السواد الخالص، وتستعمل في الخيل وغيرها، واستعيرت هنا لشدة الخضرة المائلة إلى السواد لفرط النضارة والرواء.
وهذا الحرف فيه مد لازم كلمي مثقل في قراءة الجمهور لمجيء حرف المد وبعده حرف مشدد (الميم المشددة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة النظمية بين وصف الجنتين:
في الجنتين الأوليين قال: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ}؛ فوصفهما بتشعب الأغصان وتمايل الفروع وحملها لأطايب الثمار.
وفي الجنتين الأخريين قال: {مُدْهَامَّتَانِ}؛ فوصفهما بكثافة الأوراق وتكاثف الظلال واجتماع الخضرة الريانة حتى مالت إلى السواد.
هذا التقابل النظمي يعطي كل جنة ميزتها؛ فالأولى برزت بأغصانها وفواكهها وفنونها، والثانية برزت بظلالها الوارفة وخضرتها الكثيفة المتصلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لماذا جعلت كلمة واحدة آية مستقلة؟
الجواب: هذا من الإعجاز البياني للقرآن الكريم؛ فالكلمة الواحدة هنا تنوب عن كلام طويل مستفيض؛ لأن وصف الخضرة بالدهام يعني: وفرة المياه، واعتدال النسيم، وتكاثف الشجر، وغنى التربة، واستمرار الحياة، وعدم ذبول ورقة واحدة؛ فجمعت الكلمة الواحدة كل أسرار الطبيعة الغناء في لفظة مفردة تشد السمع وتخلب الألباب.
صوت الكلمة {مُدْهَامَّتَانِ} بما فيها من تفخيم ومد لازم وتشديد يوحي بالامتلاء والتكاثف؛ تشعر السامع بأن البستان مكتظ بالأشجار والظلال بحيث لا ينفذ منه ضوء شمس مفرط، بل نسيم وظلال متراكبة.
اللطيفة الإشارية:
ريان القلب بنور الإيمان يجعله متألقاً، وخضرة النعيم الدائم علامة على استمرار الحياة الأبدية النقية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدبر في جمال خلق الله وبديع نعمته:
الخضرة في الدنيا تسر الناظرين وتريح الأبصار؛ فكيف بخضرة الآخرة التي لا تزول، والتي صاغها يد الخالق العظيم لتكون موئلاً للمؤمنين؟
الاستبشار بوعد الله: من رضي باليسير في طاعة الله واستقام على أمره كان له في الآخرة جنان مدخورة وظلال وارفة ممتدة.